Journée d'étude sur Henry Corbin

17 décembre 2005

 

Note sur l'ouvrage Religion After Religion – Gershom Scholem, Mercia Eliade and Henry Corbin at Eranos, par Steven M. Wasserstrom. Princeton University Press, 1999.

 

 

اليوم الدراسي حول هنري كوربان

17 دجنبر 2005

 

هامش عن كتاب: ديانة بعد ديانة – جيرشوم سكوليم، ميرسيا إلياد وهنري كوربان بإيرانوس، تأليف ستيفن م. واسّيرستوم، منشورات جامعة برانسيتون، 1999

 

 

مقدمة:

يتضمن هذا الكتاب تحليلا سجاليا لفكر ثلاثة علماء كبار ارتادوا محاضرات إيرانوس، ومارسوا تأثيرا واقعيا على تجديد المقاربة في دراسة الديانات. وتتمثل أطروحته الرئيسية في كون سكوليم وإلياد وكوربان سعوا إلى رد الاعتبار للنظر في الديانات  في إطار أكاديمي  من وجهة نظر ظاهرياتية، وبخاصة إلى رد الاعتبار للأسطورة والرمز والتجربة الصوفية، وأن هذا الموقف في البحث قد أدى إلى خلخلة ما كان يجب أن يكون عليه تاريخ الأديان. فتحت غطاء التبحر العلمي، وبفضل حلْية نقدية هائلة (ص. 172) أبعدوا البعد الاجتماعي والسيكولوجي للدين. وهكذا فإن الطريق فُتح أمام أشكال جديدة من الباطنية، ونحو ظاهرة "النّيو آج" (العصر الجديد)، إلخ. وقد فتح هؤلاء العلماء، الذين كانوا مؤمنين "من بين كافة المؤمنين"، الطريق أمام شكل جديد للديانة، أصبحت سهلة المنال لأنها ذات شرعية فلسفية وعلمية، ومن ثم عنوان الكتاب.

 ومن بين العلماء الثلاثة، سلِم سكوليم من النقد. فجاء النقد ليخدش مؤلفاته بشكل سطحي. أما إلياد وكوربان، فقد انصب عليهما نقد المؤلف بشكل أعتى. وقد أثار هذا الكتاب والأطروحات التي اعتمدها نقاشا واسعا في الولايات المتحدة. وانصب اهتمامه على تقويم مؤلفات سكوليم وإلياد وكوربان، وكذا الأثر العام لحلقة إيرانوس، غير أن كوربان لم يحظ بردود أفعال كثيرة حسب معرفتي، اللهم إلا المتابعة التي كتبتها الأستاذة ماريا سوبتينلي، المتخصصة في إيران بجامعة طورونطو (في  مجلة الدراسات الإيرانية، مج. 36، ع. 1، 2003).

وباختصار فإن الاتهامات التي يوجهها واسيرستوم لكوربان هي التالية:

1. إنه يتهم كوربان بكونه بشن حملة شعواء على التاريخ باعتباره مبحثا جامعيا. والأطروحة القائلة بأن الذات الإنسانية تخلق بشكل ما نفسها بنفسها بفعل الوعي وبالاختيار الذي تطرح، لا يتم تأويلها في الكتاب على أنها توكيد للتمايز بين الفكر الفلسفي والفكر التاريخي، وإنما باعتبارها حملة ممنهجة ضد هذا الأخير (ص. 176 و237 وما يليهما). وبصورة أدق، فإن هنري كوربان، حين وضع الرمزية الصوفية في قلب المجال الديني برمته، قد أراد بكل بساطة نفي البعد التاريخي للديانات. ويذكر المؤلف تنظيرات كوربان عن "ما بعد التاريخ" أو "التاريخ المقدس" باعتبارها استلهامات نابعة من الباطنية أو الرومنسية الألمانية. ونحن نعرف تحذير كوربان من النزعة التاريخية والنزعة السوسيولوجية؛ أي من ادعاء بعض المؤرخين أو علماء الاجتماع تفسير جوهر السلوك الديني نفسه بعوامل خارجية. ولا يمكننا حسب كوربان فهم ظاهرة دينية ما بالإحالة إلى ما لا يعود بالضبط للسلوك الديني. غير أن كوربان لم يبتغ أبدا تجاهل عمل المؤرخ أو نفي فائدته. وقد كان بنفسه يهتم بالتحقق من مصادره بالكثير من الدقة. والجزء الأول من كتاب"عن الإسلام في إيران" نموذج رفيع لكتاب يتضمن بعدا تاريخيا، بالمعنى الذي يوضح فيه كوربان تصوره للرؤية التاريخية.

ويبدو أن رؤية العالم التصوري (عالم المثال) imaginal لم تفهم بما يكفي من قِبل ولسيرستوم، الذي يعتبر أن كوربان يتبناها كأداة للتحليل قصد الانفلات من الفكر التاريخي (ص. 245-246). وهذا يشي بجهل كبير لمفهوم العالم التصوري نفسه، الذي بلوره كوربان في مرحلة متأخرة من أبحاثه، لكي يترجم بعض المفاهيم في الفلسفة الإيرانية (انظر عرض كريستيان جامبي في هذا اليوم الدراسي). بل ثمة خلط يرتسم الكتاب ويخترقه برمته، أعني الخلط بين تاريخ المجتمعات وتاريخ الفلسفة باعتبارها مسعى فرديا. فهنري كوربان لم يعتبر نفسه مؤرخا للعالم الإسلامي، ولم ينتقد علة وجود مجال البحث هذا. فمسعاه يستهدف إضاءة انسجام المقاربات الفلسفية (وهي بالضرورة فردية) للعديد من المؤلفين الكبار (ابن سينا، ابن عربي، الملا صدرا، إلخ). وهذه المساعي من شأنها أن تشكل مصدر إلهام لأشخاص آخرين بأبعادها الكونية؛ وهي لا تعتمد أبدا على تحليل للوضعية التاريخية. ومع ذلك فهذه الأخيرة لا تتعرض للإنكار؛ إنها فقط تُترك لمن تشكل دراسة الوضعيات التاريخية مجال اختصاصهم.

2. وهذا الهجوم على التاريخ يتسع حسب واسيرسطوم، ليشمل الهجوم على التعليم الجامعي كما ينبغي عليه أن يكون. فحسب المؤلف، لم يكن كوربان لا مؤرخا ولا حتى فيلسوفا. فهو يعتبره في أحسن الأحوال إسلامولوجيا (أكاديميا متخصصا في الإسلاميات، ص. 153)، وفي الظاهر فقط. ونحن نعرف أن كوربان قد رفض دائما أن يصنف ضمن علماء الإسلاميات، وكان يرى أن عمله عمل فيلسوف فقط، يشتغل على المفكرين الشرقيين. وبهذا التصنيف ضمن مؤرخي الديانات، الذي لم يكن موقع كوربان الحق، فهو يلحق بعد ذلك وبشكل منطقي بالإسلامولوجيين المزيفين، لأنه لم يهتم بالشريعة وعلم الكلام، إلخ، كما يلزم أن يقوم به إسلامولوجي حقيق (ص. 153 وما يليها). ويقوم واسيرسطوم بتعداد صفحات كتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية، ليلاحظ الحصة الصغرى (أقل من الثمن حسب تقديره) المخصصة للفقه والشريعة، لحساب التصوف والباطنية، الخ (ص. 174). وهو يتأسف لما يعتبره إخفاء ذا نتائج وخيمة، باعتبار أن الشريعة والكلام يمثلان الإسلام "الحق"، الذي كان كوربان خصمه اللدود (ص. 173؛ 180). فوصول الخميني للسلطة جاء ليفند الرؤية الباطنية لهنري كوربان. ونحن لن نلح على مسألة من له الأهلية في الحسم في ماهية الإسلام "الحق"، فهذا أمر يتجاوز إطار هذا التقرير. لنكتف بالتذكير بأن كوربان كان بالتأكيد واعيا بالأهمية الاجتماعية والعقدية للفقه والإلهيات التأملية. ولم يكن اهتمامه ينصب مع ذلك على تقويم الأبعاد الجماعية للإسلام، وإنما على إضاءة المغامرة الكبرى للبحث عن المعنى الشخصي.

كان كوربان أساسا حسب واسيرسطوم قبل كل شيء باطنيا (ص. 13). وكان في العمق لا يهتم بالإسلام من حيث هو كذلك (ص. 174). والمؤلفون والموضوعات التي كان يدرسها كانت لديه مجرد وسائل لإعادة بناء رؤية باطنية للعالم.و هنا، فإن موقف واسيرسطوم، وهو يخلط خلطا بين فكر المؤلفين المسلمين المدروسين مع فكر كوربان أمر لا ييسِّر فهم كتابه، الأمر الذي ما يجعل من برهنته غالبا من الصعوبة بمكان. مثلا، توكيده أن دورة المسارّة الروحانية التي تليها دورة النبوءة التشريعية تتصل بالشيعة الاثناعشرية (ص. 141)، لا برؤية كوربان نفسه، الذي أحجم عن إثارة أفكاره الشخصية عن دورات التاريخ المقدس. يمكننا أن نسجل حتى نبرئ واسيرسطروم، أن كوربان ينساق بحماس مع فكر المؤلفين الذين يدرسهم بحيث يمكن أن نفترض أنها أفكاره. غير أننا ندرك أن الأمر يتعلق بأسلوب عرْض، باعتبار أن هذا الخطاب المليء بالتأثير نجده في إثارة مؤلفات مختلفة سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية.

ونحن نحس كيف أن رهان "السلطة بالمعرفة"، تظل متحكمة في خلفية الكتاب: "كان كوربان نبيا أكث منه أستاذا. وبالأدق، كان أستاذا مزدوج الطبيعة، يجلس علنيا على كرسي أستاذي في السوربون، ويخوض حربا خاصة على العقل. كان كوربان في قاعة الدرس حواريا من الحواريين. كان فعلا نبيا يبحث عن التابعين من بين طلبته وحصل على وفاء عدد وفير منهم. ودعوته التي  تتوَّجت بالنجاح عبارة عن هروب من البحث العقلاني لصالح بحث أكثر إثارة وخفاء. علينا أن نعترف بأن تلك الدعوة خطيرة لكنها تغدو أقل جاذبية حين يتعرى الإمبراطور، وأن الفن الباطني هو تعبير عن موقف" (ص. 154). هذا التهجم الذي يثير سخرية أولئك الذين حضروا لدروس كوربان فعلا ويعرفون فعلا مضامينها الصارمة وشكلها الأكاديمي، يشير إلى حدة المعركة الثقافية المتعلقة بمعرفة ما يمكن تدريسه في الجامعة وما لا يمكن تدريسه. لنشِر في معرض هذا لحديث أن واسيرسطوم يضخم من حظوة كوربان باعتباره باحثا في الإسلاميات واضعا إياه في قمة الشهرة المطلقة. والحقيقة أن كوربان كان مجهولا من قبل أصحاب النفوذ الأكاديمي الفرنسي في مجال الإسلاميات. وبصفة عامة فإن شهرته في الأوساط الأوروبية، ولو في الأوساط المثقَّفية، تظل نسبية. كما أن عدد طلبته كان دائما متواضعا وأكثر تواضعا عدد "تابعيه" المزعومين، وهي الفكرة التي كان يرفضها كوربان قطعا، باعتبار أن موقفه الفلسفي هو أن على كل واحد إنجاز بحثه الشخصي عن الحقيقة، وأن اتباع خطى الـ"المعلم" بخنوع هو في ذاته نفي للموقف الفلسفي.

ويحاول واسيرسطوم على كل حال أن يدعم بكل الوسائل أطروحة كوربان الباطني. وكل الأسلحة صالحة لذلك، حتى الأغرب منها. لنمر بسرعة على التلميحات الخاطئة إلى تأثير المرتنيزية والمارتينية  (الفصل 2). كما أن دور القبالة المسيحية هو أيضا تم النفخ فيه بطريقة مدهشة. أما العلاقة برونيه غينون فهي مبالغ فيها كثيرا أيضا. فقد كان كوربان يحس بنفسه غريبا كل الغربة عن أعمال غينون، ولم يكن يستشهد به أبدا؛ والأمر كان متبادلا أيضا. والجامعة السلمية للقديس يوحنا المقدسي، التي عرفها الكثير من الحاضرين منا هنا يتم الشك في أنها كانت تستهدف تنظيم حركة فكرية باطنية متمحورة حول معبد القدس templière ونورانية، قائمة على جماعة سرية (ص. 8، 42).

فحسب واسيرسطوم، كان كوربان يعتبر نفسه نبيا (ص. 154). وهذا التوكيد الغريب كل الغرابة في نظر كل الذين عرفوا هذا العالم في بساطته وتواضعه وتابعوا دروسه طلبةً، هل هو نابع من كونه كان يتحدث عن "فلسفة نبوئية" (ص. 163). فتصوره الأخروي لم يفهم حق الفهم من قبل واسيرسطوم، ذلك أن الأفق التاريخي، للمؤلفين الذين درسهم كوربان، والذين كانوا يحظون بتحليله، محاط حقا بحاضر أبدي، لكن ليس ثمة من موقف يخص الوضعية الراهنة لعالمنا (مثلا، واقعة كون سوزوكي يمسك بملعقة مصرحا: "هذه الملعقة الآن في الجنة..." ص. 167). وبعبارة أدق، وبما أن واسيرسطوم يجهل الموقف الديني الشخصي لكوربان (ص. 65؛ 153الذي قدم نفسه دائما على أنه مسيحي بروتستانتي، فإنه لا يرى في مواقفه سوى توفيق باطني. صحيح أن الدراسة العميقة لعيسوية christologie كوربان، التي تمنحنا مفتاح مواقفه الشخصية من الإماميات الشيعية أو القداسات السنية (لدى ابن عربي)، لم تتم لحد الآن.

3. وأخيرا، فإن مؤلفات كوربان تشكل في نهاية التحليل هجمة على الحداثة. "وبدءا، وعلى أساس هذه الباطنية التوفيقية، أعلن كوربان الحرب علينا. وبما أن حربنا نحن، على خلاف الحرب الظرفية، هي حرب الحداثة، فسنكون عنيدين إذا لم نسجل التنامي الزمني لهذا الطابع الحربي الفاقد للواقعية" (ص. 156). وقد صيغ هذا الاتهام انطلاقا من تأويلات مواربة لنصوص كوربان، ص. 147-148. فهذا الأخير يهاجم فعلا مزاعم السوسيولوجيا والتاريخانية والتحليل النفسي، حين يتم اعتبارها قواعد لهذا العالم، زاعمة القدرة على فهم كل مظاهر الروح؛ وبهذا المعنى فهو يتأسف لسيطرة العلمانية على أذهان بعض من يتحملون مسؤولية تفسير الظاهرة الدينية. لكن، حسب علمي، لم يحدث أبدا أن هاجم كوربان الحداثة أو العلمانية باعتبارهما ظاهرة سياسية واجتماعية شاملة. إن توكيد موقف معاد للعلمنة يبدو خاطئا.

بيد أن التهمة تسير أبعد من ذلك كي تلج مناطق أكثر تعكرا. فهنري كوربان متهم بمعاداة الديمقراطية (ص. 155). وواسيرسطوم لا يذهب حد توكيد أن كوربان كان بنفسه فاشيا، وإنما أنه مساهم في الموقف العام الذي مكن من ظهور هذه الحركة: "إن اهتمامي يتمثل في كون  تلك السلطة الخفية التي يدعو لها كوربان كانت عبارة عن صيغة روحانية لخوض معركة ضد الديمقراطية والعلم. كان برنامج كوربان يساير برنامج المثقفين الدينيين في جيل الحرب العالمية الأولى، إذ هو عبارة عن نزعة تقليدية جذرية، ونزعة محافظة ثورية، وحملة رجعية ض ملتبسة في العمق إذا لم تكن مطابقة في الجوهر للفاشية" (ص. 155). والنظرة للإنسان الكامل surhomme موضوع للتلميحات (ص. 214؛ وذلك الخطاب يستهدف  بالتأكيد الولاية الشيعية). كما أن الإلحاح على المنحى الجرماني germanophilie المفترض لكوربان يحمّل بتلميحات ثقيلة كذلك، مثله في ذلك مثل ميرسيا إلياد ويونغ. ويذهب واسيرسطوم أبعد من ذلك، إلى حد الحديث عن "معاداة ميتافيزيقية للسامية"، وذلك بصدد قضية الشرعوية légalisme  (ص. 179). صحيح أنه يحجم عن اتهام كوربان نفسه بمعاداة السامية  (وهو ما كان سيفنده موقف كوربان تجاه زملائه ذوي الأصول اليهودية من أوروبا الوسطى في الثلاثينيات، وكذا العديد من النصوص المهمة). والانتقادات التي وجهها كوربان للشرعوية، والتي تستهدف الفقهاء المسلمين أو لاهوتيي الكنيسة الكاثوليكية حسب النصوص، يفترض أنها قابلة لأن توجه لليهودية الحبرية، وهو ما لا يؤكده أي نص من نصوص كوربان. وفي الدفق ذاته من التلميحات الغريبة، يتم تحويل "الرومنسية الوطنية الإيرانية" لكوربان نحو النزعة الآرية نظام الفهلويين (ص. 133-135). وللقيام بذلك يرتكز واسيرسطوم على مقال لحميد ألغار من غير أن يتأكد من صحته. ويبلغ التصاعد نحو الرواية السياسية الخيالية أوجه مع ذكر رجل المال والبترول وحاضن مؤسسة بولّينغين، بول ميلون، صديق يونغ، وعلاقته مع الاستخبارات الأمريكية (ص. 150-153). إننا نشهد انحرافا خياليا غير أنه في العمق ضروري لأطروحة المؤلف: فإذا كان كل مفكر مشروطا بهذه الظروف التاريخية، فإن كوربان كان قد عاش بالضرورة اختيارا سياسيا حاسما. ويشير واسيرسطوم بذلك وبسرعة إلى "المفارقة" بين "البيعة" لنظام الشاه الذي كان إمبراطورا دنيويا وولعه بالإسلام الشيعي الذي انتهى إلى عزله عن العرش (ص. 65).

وفي الانسياق ذاته يتم افتراض سعي كوربان إلى الانتماء لجمعية سرية أو الانتماء لها فعلا، مفضيا إلى انحرافات يمينية متطرفة. وهذا التوكيد لا يمكن البرهنة عليه أبدا، وهو ما لا يمنع واسيرسطوم من التوكيد على أن كوربان كان ينوي إنشاء مجموعة ناشطة سياسيا (ص. 150). فقد كان مناضلا من أجل تلك القضية، كما تشهد على ذلك  لغته "العدوانية"، وتوضحه شواهد مثل ما قاله لميرسيا إلياد: "ها نحن قد التقينا من جديد إخوة في السلاح [...] فنحن ناضلنا معا في الفلسفة من الجانب نفسه لجبهة لامرئية"، أو أيضا العنوان المقترح لدورة 1979 لجامعة القديس يوحنا المقدسي: "الكفاح من أجل روح العالم" (ص. 16-19).

لم يكن لنا أن نتوقف عند هذا الكتاب الهجائي المدهش والهش، لو أنه لم يكن صادرا عن متخصص معترف به ويحظى بالاحترام في مجال علم الأديان. فرهان السلطة الثقافية يبدو هنا ذا أهمية خاصة. وواسيرسطوم يصارع من أجل "التاريخ" وذلك من حقه، بيد أن قراءته لكوربان سطحية، ومليئة بالأحكام المسبقة وبالأخص تفتقد للتوثيق، وهي مفارقة لا تقبل من جامعي يدافع بالضبط عن المنهج التاريخي. وبما أنه لا يعرف جيدا المفكرين المسلمين المدروسين، ويرتكز على نصوص كوربان مترجمة إلى الإنجليزية، فإنه ينتهي إلى تنديد غير وجيه بالفلسفة التي يتناولها.

إن خيبتنا حقيقية، ففي الأخير كان النقاش يستحق أن يوجه ليدور حول كتابات كوربان. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الفينومونولوجيا مسعى مقنع في مجال دراسات الأديان؟ هل يمكن للمسعى الديني أن ينتج بنفسه معناه، أليس لها ما تتطلبه من العلوم الإنسانية؟ (ص. 56-57؛ 99؛ 160). ألا يمكن للتحليل النفسي وعلم النفس، ما يضيفانه للتجربة الصوفية؟ وبصفة أعم: ما الذي نعنيه بـ"الديانات"؟ هل نعني بعدها الاجتماعي، والأخلاقي، أم المغامرة الروحانية الفردية التي تفترضها؟ يثير المؤلف التجربة الصوفية (ص. 239-241) لدى ابن عربي، في الخاتمة العامة حيث تنحو نبرته إلى التهدئة. لكن للأسف، فإن واسيرسطوم يظل يدور في حلقة مفرغة حين يؤكد: "إن تاريخ الأديان، كما أستنتج، يلزم أن يكون في النهاية دراسة تاريخية أو لا يكون على الإطلاق"، بحيث ينكر مبدئيا كل مقاربة غير تاريخية للدين. أما مقاربة كوربان، باعتبارها مقاربة فلسفية للدين، ليس لها ما تقوله جديا عن الديانات. من ثم، فإن أبعاد النقاش التي كان من الممكن أن تصبح خصبة تظل حبيسة أوالياته.

 

بيير لوري

المدرسة التطبيقية للدراسات العليا

(السوربون، باريس)

 

 

=========================

 

 

Henry Corbin et la raison gymnique

Brigitte d'ARX

EPHE

 

هنري كوربان والعقل الحركي الرياضي

بريجيت داركس

 

 

بصدد وثيقة فيلمية حيث يظهر كوربان للحظة ويقوم بتدخل قصير عن الزُّرخانه.

بطاقة تقنية عن الشريط:

"الزرخانه"؛ إخراج شارل باربان وإدوار سابلييه؛ 1960؛ شريط بالأبيض والأسود ناطق؛ وثيقة شرطة باطي؛ عرض لأول مرة في برنامج "كواليس المفاخر" سنة 1963.

هذا الفيلم تمت رقْمنته، ويمكن الاطلاع عليه مجانا في الأنترنيت في موقع: www. Archivesgaumont؛

ومن الضروري التسجيل؛ ويلزم 48 ساعة لمشاهدة الوثيقة.

مرجع الشريط في الموقع:

Coulisses 25 1

من اللازم احترام الفراغات وإلا يكون المرجع خاطئا.

 

نص ما قاله هنري كوربان في الشريط

يمكن ترجمة كلمة "زرخانه" حرفيا بـ"الملعب المقدس". وللأسف حين نتحدث عن الأصول، فليس هناك من نص يمكننا من القول الدقيق المكان الذي ولدت فيه هذه الجماعة المنظمة. لكن ليس هناك من شك في أن الملامح التي نستنبطها منها تمكن من تحديد أصولها فيما قبل الإسلام، أي قبل إيران الجاهلية، أي في إيران الساسانية أو قبلها؛ وهنا نحن في ليل الزمن، فالقليل من الوثائق وصلتنا عنها.

لكن الفكرة السائدة، هي فكرة البهلوان الفارسي، وأعتقد أن أفضل كلمة لترجمتها إلى الفرنسية هي الكلمة العتيقة "le preux, le chevalier" (الفتى الشهم، الفارس). إنه إحساس يهيمن على أخلاقيات إيران العتيقة بكاملها، وكان الإغريق منتبهين له آنذاك. ولفهمه، من اللازم التذكير بما كانت عليه الأخلاقيات (الإيثيقا) الزارادشتية، أي الأخلاقيات التي نشأت في هذا البلد العتيق على يد زارادشت، أقدم نبي في فجر التاريخ. واسم زارادشت معروف كثيرا في أوروبا منذ نيتشه. وتجعل الأخلاقيات الزارادشتية من الصراع الذي لا يفتر بين قوى النور وقوى الظلمة وهو ما يجعل من كل مؤمن محارب في جانب إله النور".

 

توجيهات مرجعية

هنري كوربان، الموضوعات الزارادشتية في فلسفة السهروردي، شيخ الإشراق (ت. 589هـ/1191م)، طهران، منشورات الرسالة، 1946-1325.

هنري كوربان، عن الإسلام في إيران، غاليمار، أربع مجلدات، 1971 و 1972.

هنري كوربان، الإنسان وملاكه، المسارة والفتوة الروحانية، فايار، 1983 (دراسات من سنة 1949، 1970، و1976، لمجلة إيرانوس جاربوش).

هنري كوربان، مرتضى الصراف، رسائل الأصحاب الفتيان، طهران (المعهد الفرنسي للدراسات الإيرانية)، باريس، أدريان ميزونوف، 1973.

فليب روشار، الرياضة القديمة للزرخانيين بطهران، أشكال ودلالات ممارسة معاصرة، أطروحة دولة، جامعة إيكس مارسيلسا، 1، 2000.

فليب روشار، "هويات الزورخانة الإيرانية، مجلة الدراسات الإيرانية، مج. 35، ع. 4، 2000، ص. 313-340.

فليب روشار، "تمثيلات "الحركة الجميلة" في الرياضة العتيقة الإيرانية"، دفاتر الدراسات الإيرانية 27، 2003، ص. 161-170.

 

 

 

 

 

 

 

============================

 

 

Sur la méthodologie de travail

aux archives Henry Corbin

Par Maria Soster

 

عن منهاج العمل في أرشيف هنري كوربان

بقلم ماريا صوصتير

 

علي الاعتراف بخصوص أرشيف كوربان أنني لا أملك بعد فكرة عامة عن كل المواد التي تتضمنها، لأن ثمة من جهة الجمُّ الكثير من الوثائق، ومن جهة أخرى، أنني بدأت بترتيب وجرد المراسلات. هنالك العديد من الصناديق المخصصة فقط للرسائل، بل ثمة صناديق وملفات تتضمن نصوصا أو مسودات بها رسائل.

وغايتي هي أن أجرد كل المواد الموجودة في أرشيف كوربان لوضعها تحت تصرف جمعية أصدقاء هنري وسطيلا كوربان.

بدأت بالرسائل لأنني أعتقد أننا بمحاولتنا بناء السيرة الحياتية الفكرية لكوربان، يمكننا أن نفهم أفضل دواعي التزامه الروحي بأرض الشرق والغرب.

علاوة على ذلك، أعتقد أنه بمكاننا أن نتصور مشروع نشر بعض المراسلات بربطها بنصوص من المرحلة نفسها. ومثالا على ذلك، يمكننا أن نتصور نشر مقالات الثلاثينيات، المنشورة في مجلة الهنا والآن، ولوسومور، وأبحاث فلسفية، ورسائل المرحلة نفسها، وهي الرسائل التي كان يعدُّ فيها لتلك المقالات... أو على الأقل المراسلات مع لويس ماسينيون. وبالفعل، فإن المشكلة الأساس هي أن كوربان لم يحتفظ إلا في النادر بنسخة من رسائله، وهو ما يجعل من الصعب (إلا في حالة ماسينيون الذي نتوفر فيه على رسائل عديدة لكوربان) التفكير في نشر مراسلات مكتملة.

أما بخصوص منهاج العمل بصدد المراسلات، فإنني سوف أصف في كل رسالة:

·                         المرسِل (والصعوبة تكمن هنا في التعرف على التوقيع، لأنه لا يكون واضحا إلا في حالات قليلة، أو أن اسم المرسل يُنص عليه بقلم الرصاص من قِبل هنري أو السيدة كوربان

·                         المرسل إليه (هنري كوربان، سطيلا، الخ)؛

·                         المكان؛

·                         التاريخ أو التاريخ المرجَّح؛

·                         الصندوق، أي المكان المحدد الذي توجد به الرسالة وفي أي ملف. وهدفي هو عدم خلط الترتيب الذي منحه هنري وسطيلا كوربان للرسائل ولمواد الأرشيف؛

·                         طابع المراسلة؛ أي إذا ما كانت مراسلة صداقة أو رسمية، وحسب الإمكان محتواها؛

·                         الكمية، أي عدد الصفحات وأرقامها؛

·                         اللغة؛

·                         الملحوظة: إذا كانت الرسالة مخطوطة أو مرقونة، وطبيعة الورق ومعطياته في رأس الصفحة؛

·                         رد هنري كوربان إذا كانت موجودة.

وقد استعملت أيضا ألوانا مختلفة لتمييز الرسائل الموجودة في كل ملف، حين تكون الرسائل لمرسلين مختلفين.

أما المواد التي سأعثر عليها، (من مقالات ونصوص ومقطوعات من الصحف)، فسأسجل دائما ما يلي:

·       التاريخ أو التاريخ المرجح؛

·       المؤلف؛

·       مكان النشر؛

·       الصندوق؛

·       طابع النص وحسب الإمكان فحواه؛

·       الكمية أي عدد الصفحات وأرقامها؛

·       اللغة؛

·       الملحوظة، أي إذا كان النص مخطوطا أو مرقونا وطبيعة الورق ومعطياته في رأس الصفحة.

يشكل عملي في أرشيف كوربان كما أبحاثي محاولة بسيطة لتطوير معرفة أثر كوربان وفكره بشكل أكبر. وهذا العمل والبحث لا يزالان في بدايتهما، لذا أستسمحكم إذا ما قمت بأخطاء. وإذا ما كانت لكم نصائح أو انتقادات على منهاج العمل، وإذا ما رأيتم أن شيئا ما ناقص، فلنا الفرصة اليوم لمناقشتها، ومن جهتي، بما أنني سأستكمل العمل في شهر غشت، فلي إمكان تصحيح أخطائي.

أشكركم على حسن انتباهكم.

 

ماريا صوصتير

 

 

 

============================

 

 

Henry Corbin pendant les années trente:

Questions et perspectives

Par Maria Soster

 

هنري كوربان خلال الثلاثينيات.

قضايا وآفاق

 

ماريا صوصستير

 

 

في هذا العرض الموجز، الذي يحاول وصف بحثا في طور الولادة، أود أن أقترح على مسامعكم أحد المواضيع التي يمكننا العثور عليها في كوربان "الفيلسوف" بدءا من الثلاثينيات. فالموضوع الي أعتقد أنه ينقص فكره هو الوجود والتاريخ، أو بعبارة أفضل، موضوع الوجود وتاريخه، أي الوجود التاريخي.

سأحاول في هذه المداخلة أن أوضح الأمكنة التي يتبدى فيها موضوع الوجود وزمنه، والوجود وتاريخه في كتابات هنري كوربان في الثلاثينيات، والتي توجد فيها ممهدات موقفه إزاء المهمة التي تتطلب من الإنسان ظاهرة الكتاب المقدس.

تمهيدا لذلك، وفي نص قصير بعنوان "الملحق الثاني: طبيعة الأعمال التي يلزم متابعتها بألمانيا"، يمكننا تحديد تاريخه بنهاية سنة 1934 وبداية 1935، يصف آفاق البحث الذي كان يرغب هنري كوربان في بلورته في ألمانيا بين أكتوبر 1935 ويونيو 1936، يمكننا أن نقرأ ما يلي: "متابعة تحقيق عن تكون الموضوعات التي تحدد توجه فلسفة الوجود ضمن مجمل الفلسفة الألمانية المعاصرة. فموضوعة "الوجود" لدى هايدغر كما لدى كارل ياسبرز، يمكن فهمها باعتبارها نتاجا لمواجهة محتومة بين ما يمكن أن نسميه "أزمة التاريخانية" وضرورة فهم الذات التي تمتلك دلالة أنطولوجية حقة. فمشكل الإنسان هذا إزاء تاريخه يحدد "فكرة الأنثربولوجيا في فلسفة الوجود".

إن مشكلة الوجود ومشكلة تاريخيته يغدوان مسألة تصور الإنسان في فلسفة الوجود. فالإنسان يغدو موضع تساؤل ومعه تاريخه، لأن الإنسان، كما سنرى لك في النصوص، ليس في التاريخ ، لكن على العكس من ذلك، فإن التاريخ باعتباره إمكانا للوجود هو الذي يوجد في الإنسان وهو المحدد في الآن نفسه لماضيه وحاضره ومستقبله (وهي مسألة التقليد نفسها التي يمكننا أن نجدها لدى قراءة السهروردي كما قام بها كوربان، حيث يتحدث عن "الزمن الوجودي قائلا: "لا يمكن لفيلسوف ما إلا أن يكون زمن نفسه الخاص، وفي هذا فقط تتمثل "تاريخيته" الحقة"، ويضيف: "ليس ثمة من تقليد حي، أي من تواتر transmission فعلي إلا عبر أفعال قرارات متجددة دوما". سنحاول إذن أن نجمع المقالات التي نشرها كوربان خلال الثلاثينيات، وسنحاول أن نرى كيف بلور تصوره هذا للوجود بالعلاقة مع زمنه.

ففي مجلة "لوسومور"، لسان حال الفيدرالية الفرنسية للجمعيات المسيحية للطلبة، وهي المكان المركزي لتكوين مثقفي البروتستانية الفرنسية، نشر هنري كوربان في نونبر 1931 "الفيدرالية الألمانية في كاوب"، وفي مارس 1932 "بصدد لوثر"، وفي دجنبر 1932 "شهادة عن كيركيغارد". ويدور السؤال في المقال الأول حول دلالة الوجود المسيحي هنا والآن. وفعلا، وحده البحث عن المسيح يمكنه أن يصف "وجوديا" الوجود. فالبحث عن المسيح وعن كلمته يغدو أحد أنماط وجود الوجود، أي "وجوديا" existentiel (التي ستصبح  وجودا أصليا existential، سنة 1937، في مداخلته بمؤتمر ديكارت). وفي "المعجم" المنشور بمجلة الهنا والآن (وسنرى فيما بعد دلالة تجربة هذه المجلة الصغيرة) تشدد المجموعة البارثية التي كان ينتمي إليها كوربان على أن كلمة "وجودي" مستقاة من كييركيغارد: "الإنسان موجود في اللحظة التي تضع الحقيقى موضع السؤال، والاتهام، فيقبل بذاك الاتهام ويرد على ذلك السؤال ويفعل حقيقته". ففي اللحظة نفسها التي يوجه الله كلمته للإنسان يتلقى ذلك الإنسان وجوده، وهو وجود يكون مرتبطا أوثق ارتباط بزمن حدوث الكلمة الموجهة إليه، وهو زمن يتحول إلى زمن انبعاث للإنسان نفسه. ذلك الزمن هو الذي يحدد أزمة التاريخانية، لأن تلك الزمنية الأخروية، وذلك التاريخ المقدس، ينتزعان الإنسان من الزمن التاريخي ليمنحانه مكانته في زمن التاريخ باعتباره حدثا، حيث يوجد في الآن نفسه حدث الزمن وحدث الوجود، وليس الواحد من دون الآخر.

يتعلق الأمر إذن بلقاء مع الكلمة، أي لقاء الأنا وهو في وضعية حوار، والأنت الذي هو الآخر الأكبر Autre الذي يتطلب الطاعة. إن إمكانية العثور مجددا على المسيح، ومعه على حقيقة الوجود والعلاقات التي منها تشكلت (العلاقة مع الأنت الذي هو الآخر الأكبر، الذي تنبثق في الوجود، والعلاقة مع الأنت الذي هو ابن البشر)، هي أيضا موجودة في المقال المخصص لمارتن لوثر. لكن هنا نحن أمام إدخال مفهوم ينتمي للتحليلية الوجودية لهايدغر. ففي الوعي بالوجود من أجل الموت، الذي يحدد بصفة حقيقية الوجود المتحرر لضمير المبني المجهول on، يستعيد لوثر، كما قال كوربان، الشرط المفارق للوجود المسيحي المحكوم عليه بالتعايش مع حدوده باعتباره آثما، وفي الآن نفسه مطالبا فيما وراء ذاته بالكلمة التي لا يستطيع قولها أو توكيدها من غير نفيها.

ويتابع كوربان في المقال المخصص لكيركيغارد: البطولة المسيحية تكمن في الشجاعة التي يمتلكها الفرد في الدخول في إعادة امتلاك أناه الخاص. وبهذه الطريقة يمكن للفرد أن يتنطع للمواجهة مع الإله الشخصي كي يكون هو نفسه. فعلاقة الإله بالإنسان يطرحها الإله بفضل الكلمة. وعلى الإنسان أن يرفع هذا التحدي، وأن يذوب في الإله، وأن يتجرد من كل شيء، وأن يترك جانبا كل الوسائل الذي يمتعه بها العقل الطبيعي (والفلسفة الصادرة عنها) لأجل فهم الإله وتركه يأتي نحوه. هذا الحدث هو موت الأنا الطبيعي، وهو يمثل في الآن نفسه الولادة الجدية للأنا في المسيح. يتعلق الأمر بحركة الإيمان. فالأنا حر في استسلامه الكلي للكلمة وللرب ولزمنه. وهنا يُدخِل كوربان موضوع الوجود التاريخي. إن كييركيجارد "مثال للهوة التي تفصل بين الكاثوليكية والبروتستانتية"؛ فالإصلاح البروتستانتي "يظل الفعل الفريد الذي يضع كل كائن إنساني واقعي ووحيد أمام الرب". ويعود الإنسان الذي يجعل مرة أخرى وجها لوجه مع الزمن، إلى تاريخيته الأصلية. وهذا البُعد هو الذي تجاهلته المسيحية، باعتبارها غير قادرة على تصور عزلة الإنسان ووحدته أمام الرب، والتي لوحدها تمكن من حدث الكلمة، فقد ظلت حبيسة التقليد والتاريخانية من حيث هي فلسفة، وضحية للعقلانية التي تتصور الأنا باعتبارها مركزا للوجود يحجب إرادة السيطرة على الأشياء والموجودات.

وتغدو المسألة بشكل أدق، في مقال "الفلاسفة" المنشور في مجلة الهنا والآن في نونبر 1932، "ماذا يعني الحضور هنا؟". ويتعلق الأمر بسؤال يأخذ بعين الاعتبار الإنسان في وضعيته الملموسة والمحددة، وفي وجوده هنا والآن. ويعني الوجود هنا والآن القرار، لأن الإنسان الواقعي، أي الوجود هنا، إزاء أنوية solipsisme الأنا وتوحُّدها يوجد دائما في وضعية مساءلة. فعليه يطرح السؤال: الإيمان أم عدم الإيمان؟ وعليه أن يجيب. وبجوابه يرتبط راهن (أي ترهين) وجوده. وبهذا القرار يرتبط نمط وجود الوجود هنا، وهو نمط وجود يمكن أن يكون جدليا فقط، أي حواريا: "لا وجود لـ"أنا" إلا في علاقة مع "الأنت"، وفي هذا الحوار يوجد الجدل. وأنا لا أستطيع أن أصبح واقعيا إلا بك أنت، فأنت عالمي الذي به أوجد، لكن ليس ثمة من سلطة مجردة يمكنها أن تقودني إلى هذه العلاقة  الراهنة، "هنا والآن". لكن، في هذه الوضعية الجدلية والمفارقة، يمكن أن يصبح الوجود واقعيا.

اتخاذ القرار يعني إذن أن يغدو المرء مسئولا وملتزما، وفي "هذه المسؤولية توجد الحركة في الوجود، وبهذا يصبح الوجود  "تاريخا"، إذ لا وجود لتاريخ يسيطر على الموت إلا إذا "كان مطروحا في الوجود". ثمة تاريخ لأن ثمة جواب للأنت، لأن ثمة الرب الذي يسائل الإنسان، والإنسان الذي يجيب "بشكل مسئول". يفرض القرار نفسه، ومن اللازم الجواب على النداء. لكن، كما كتب كوربان ذلك في المقال الثاني الذي ظهر في 1933 في مجلة الهنا والآن، "حين نستفيق من بين الأموات"، فإن لحظة هذا النداء، أي هذا المستقبل الأبدي، هو "مستقبل ممكن للرب، غير أنه ليس في ملكيتنا، واندفاعه القوي يقلب كل ما كان باستطاعتنا إرادته أو معرفته". الرب هو الآخر المطلق الذي يتواصل مع الإنسان، وهو واقع مستحيل وغامض في نظر الفلسفة، وفضيحة في نظر العقل.

لنعد للحظة إلى مجلة الهنا والآن. إنها مجلة أسسها سنة 1931 كوربان، ورولان دو بوري، وروجي جيزيكيل، وألبير ماري شميدت ودوني دو روجمون. وهي مجلة ذات اتجاه بارطي وتبدو أشبه بتجربة طفولية حمستها جدة اللاهوت الجدلي البارطي. غير أنها أيضا مجال تعبير أولئك الشباب، وخاصة كوربان، الذي كان يُعتبر فيلسوف المجموعة الصغيرة تلك.

في مقال بعنوان "الفلسفة القلقة" نُشر في يوليوز 1933، في عدد مزدوج من مجلة الهنا والآن، مهدى لكارل بارط، يوجه كوربان هجوما عميقا على الفلسفة التي تقوم على أولية الأنا المجردة. وبالأدق، فهو يدافع عن كون زمنية الوجود هنا، والوجود تسبب انهيار فلسفة التاريخ الخاضعة لنموذج العلية الآلية. فبفضل حدث الكلمة، الذي يفترض اتخاذ القرار، يغدو الوجود راهنية، أي وجودا بالفعل، ووجودا يتحول إلى شهادة.  فالإنسان ليس نتاج ماضيه، إنه نتاج الكلمة، وإنصاته والاندماج في الرب، وهي كلمة تحل دائما وباستمرار.

يصبح الوجود عاريا في بنيته الأساسية، كما يمكننا أن نقرأ ذلك في "هامش في الوجود والإيمان"، وهو المقال الأخير لهنري كوربان المنشور في مجلة الهنا والآن، وهو الأخير بمعنيين: فهو يمثل مساهمته الأخيرة في المجلة ويدشن مرحلة من الصمت. وفي الواقع، فإن المنشور التالي لكوربان، إذا نحن لم نحتسب "القصص الحلاجية" ومساهمته في مؤتمر ديكارت بموضوع عن " المتعالي والوجودي existential"، سيكون "النداء الباطني للدكتور" سنة 1937. والوجود يُعرى باعتباره إرادة الوجود وانفتاحا، ومجاوزة للحدود ولتناهيه. إنه منفتح أنطولوجيا على الآخر الأكبر الذي يشكله، وعلى زمن الآخر، وهو زمن ذو اختلاف كيفي مع زمن أنا الفلسفة العقلانية واللاهوت.

وإذا كانت فلسفة الوجود تعتبر أن إرادة الوجود القصوى للأنا تتمثل في أن تختار نفسها من أجل الموت، في الاشتغال الأكثر اكتمال المنذور للعلائق بين الفلسفة واللاهوت الجدلي، "واللاهوت الجدلي والتاريخ"، فإن اللاهوتي بالمقابل "لا يمكنه إلا أن يعترف بأن النداء الذي يحدده الوجود المسيحي هو هذا النداء الباطني المختلف: "أفق، أنت أيها النائم، انبعث من بين الأموات والمسيح سينير طريقك". هذا المقال منذور كلية للاهوت الجدلي ولمشكلة التاريخ الذي تثيره. فمزية اللاهوت الجدلي يكمن في أنه أوْكد من جديد زمن الرب، مبرهنا على أن تاريخية الوجود الإنساني تجد جذورها في التعالي وفي كلمة الرب. و"العيسوية ِChristianité" تغدو في هذا المقال أنماطا للوجود، أي وجودا أصليا un existential، وبالأخص نمط وجود الوجود المسيحي (الذي لم تستطع فلسفة هايدغر أن تراه)، التي تقوم على الإنصات للكلمة.

إن الأنطولوجيا التحليلية الوجودية لهايدغر لا يمكنها أن تقبل "أن تكون هذه الكلمة كلمة الرب". فالحياة التي تبشر بها الكلمة "هي تحديد كل آنية من قِبَل الكلمة، باعتبار أن هذه الأخيرة تسمع في الإيمان، وباعتبار أن كل آنية تدرك كإمكانية جديدة لوجودي، وكإرادة وجود، وباعتبارها "ذات مستقبل". "الحياة" نمط للوجود "كما هو أمر "العالم" و"الموت"، لكن الحياة بالمقارنة مع هذين الأخيرة ليست سوى أمر آت". الإنصات للكلمة يعني الحضور المتزامن لذاتين والحوار. والوجود باعتباره إرادة وجود، ليس منغلقا على ذاته وإنما منفتحا على ذاته. هذه الطريقة في النظر إلى الوجود هنا لا تنحّي مقولة بني البشر، أي أنها لا تنسى "أن الوجود الواقعي للإنسان هو وجود مع الآخرين لا اختيار اعتباطي، ولكن بمعنى أن وجودي التاريخي مسبقا مرتبط مع الآخر الأكبر، وأن الإنسان له وجود تاريخ، وبضرورات تاريخية واقعية فقط بالوجود مع الآخرين".

الكلمة التي تكسر حلقة الأنا تكسر أيضا الأفقية الزمنية temporale للتاريخ الخاضعة لقوانين السببية الآلية. وبتكسيرها لتلك الخطية فهي تدخل عنصرا مختلفا كيفيا، يتطلب الإنسان وينتزعه ويفرض عليه النظر إلى الآخرين بعيون جديدة. إن الإنصات للكلمة يتعلق بأهمية الحوار، وهنا يمكننا على ما أعتقد أن نجد موضوع التوحيد الإبراهيمي الذي يوجد في أصل الديانات السماوية. الـ"أنا" ليس مناجاة [مونولوجا]، إنه حوار، وهو ما يفترض قطبين في علاقة. وكلمة الرب، أو بعبارة أفضل، ظاهرته والمهمة التي يوكلها للإنسان، هي المكان والزمن المشترك للديانات الثلاث.

إن الكتاب المقدس كلام الله الموجه للإنسان. وهدف الإنسان في المنطلق هدف ظاهرياتي في معناها الأصل أي هدف "إنقاذ" الظواهر". يقول كوربان بهذا الصدد: ""إنقاذ الظواهر" يعني لقاؤها حيثما توجد وحيثما يوجد مكانها. وفي العلوم الدينية، يعني ذلك لقاؤها في نفوس المؤمنين، لا في المآثر المعرفية النقدية أو التحقيقات الظرفية. علينا أن نترك ما ظهر لهم يظهر، تلك هي الواقعة الدينية". حين نتحدث عن ظاهريات الكتاب المقدس نعني ضرورة إنقاذ ظاهرة الكتاب بإظهارنا لباطنه، "أي لمعناه الباطن، والمقصد السري الذي يؤسسه". وأيضا: "تأويليات الباطني، والمعنى المحجوب [...] تجعلنا نحس ما سيكون عليه "التوحيد الإبراهيمي للديانات الثلاث" الذي ليس له من قاعدة صلبة سوى هذا الباطن، لأن كل الذين يسميهم القرآن أهل الكتاب، وجدوا أنفسهم بفعل كتابهم أمام المشكل نفسه وأمام المهمة نفسها". الكتاب يطرح مشكلة، هي تأويل وفهم معناه الخفي أي معناه الحق. "الفهم [...] يعني دائما فهم معنى، ولا يمكن أن يتعلق الأمر إلا بالمعنى الحقيقي لذاك الكتاب. بيد أن نمط الفهم مشروط بنمط وجود ذلك الذي يفهم".

ويتابع كوربان: "مع ظاهرة "الكتاب المنـزَّل" أصبحنا أمام مشكل لا يتعلق بهذا السلوك أو ذاك للإنسان، بل إن نمط وجود الإنسان هو الذي يطرح مشكلة، بمعنى آخرمفهوم الأنثربولوجيا نفسها. ذلك أن السلوك الباطن للمؤمن بكامله مشتق من فهمه. والوضعية المعيشة وضعية تأويلية بالأساس، أي الوضعية التي يولد فيها المعنى الحقيقي للمؤمن الذي يجعل في الآن نفسه حياته حقيقية". فمن وجهة نظر لغوية يعني الفهم    comprendre الاستيعاب والاحتواء، من ثم "فاستيعاب معنى يعني تضمينه بشكل أو بآخر في نمط وجود الفاهم المستوعب.. يتعلق الأمر إذن بتضمين معنى الكلمة الموجهة إلينا في نمط وجودنا الخاص. وهكذا فإن الفهم يعني وضع الشيء في الحاضر، وترجمة معنى الكتاب ومعنى الكلمة في الحاضر، وهو ما يعني تحيين معناها بفضل عمل فهم المؤمن، وبذلك فإن الكلمة يغدو لها ولادة جديدة ومعها يعيش المؤمن نفسه ولادة جديدة. تغدو الكلمة بذلك رمزا، وفهم رمز ما أو تفسيره لا يعني أبدا هدمه، أو إفساده [...]، بل هو يظل دوما قابلا للفك من جديد؛ ويظل باستمرار يتطلب إنجاز معناه".

إن تفسير الكلمة هو المهمة المشتركة بين أهل الكتاب، وكل من يجمعهم كتاب منزل. والمعنى الحقيقي، أي المعنى الذي يملكه الكتاب في نظر المؤمن، والذي يتعلق بنمط وجوده الخاص، ليس أبدا معنى نهائيا مغلقا، لأن الكلمة باعتبارها رمزا يلزمها دائما وبشكل متجدد من صلب المؤمن، مفهومة من قبله في سيرورة لا يمكنها أبدا أن تنتهي من غير خيانة للكلمة، كي يمنح الكلمة والإنسان إلى حقيقتهما الخاصة.

 

 

1.                هنري كوربان، (1971) عن الإسلام في إيران: الملامح الروحانية والفلسفية، م. 1. الشيعة الاثناعشرية، باريس، غاليمار، ص. 17.

2.                هنري كوربان (1931) "الفدرالية الألمانية بكاوب"، مجلة لوسومور، ع. 1. ص. 38-42.

3.                هنري كوربان (1932)، "بصدد لوثر"، لوسومور، مارس، ص. 286-292.

4.                هنري كوربان (1932)، "شهادة لكييركيغاردلوسومور، دجنبر، ص. 77-81.

5.                هنري كوربان (1933)، "معجم"، مجلة الهنا والآن، ع. 3-4، يوليوز، ص. 111-115.

6.                نفسه، ص. 114-115.

7.                هنري كوربان (1932)، "شهادة لكييركيغارد"، م م، ص. 81.

8.                نفسه.

9.                نفسه

10.            انظر هنري كوربان (1932)، "فلاسفة"، مجلة الهنا والآن، ع. 1. نونبر، ص. 19-23.

11.            نفسه، ص. 21.

12.            باتخاذ القرار، لأن الحياة لا تصبح واقعية إلا بالقرار.

13.            نفسه، ص. 22.

14.            أي عبر المسؤولية المرتبطة بفعل الجواب.

15.            نفسه، ص. 23.

16.            هنري كوربان (1933)، "حين نفيق من بين الأموات". في مجلة الهنا والآن، ع. 2، ص. 43-51.

17.            نفسه ص. 49.

18.            هنري كوربان، (نشر سنة 1936)، القصص الحلاجية"، مجلة يغدراسيل، دجنبر 1935، ص. 3.

19.            هنري كوربان (1937)، "المتعالي والوجودي"، ضمن أعمال المؤتمر الدولي العاشر للفلسفة (مؤتمر ديكارت)، باريس، هيرمان، مج. 8، ص. 24-51.

20.            هنري كوربان (1937)، " النداء الباطني للدكتور"، ضمن مجلة أقوال تبشيرية، ع. 58، أبريل، ص. 21-24.

21.            هنري كوربان (1933-1934)، "اللاهوت الجدلي للتاريخ"، ضمن مجلة أبحاث فلسفية، مج. 3، ص. 249-284، نفسه ص. 71.

22.            نفسه، ص. 77.

23.            نفسه، ص. 78.

24.            المرجع والصفحة نفسهما.

25.            المرجع والصفحة نفسهما.

26.            نفسه، ص. 74.

27.            هنري كوربان (1971عن الإسلام في إيران، مج. 1، ص. 19.

28.            المرجع والصفحة نفسهما.

29.            المرجع والصفحة نفسهما.

30.            نفسه، ص 136.

31.            المرجع والصفحة نفسهما.

32.            نفسه، ص. 138.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

===================

 

 

"An end to ordinary history", commentaires sur un roman philosophique par Michael Murphy

 

Elisabeth Pena-Velasco

 

"نهاية تاريخ عادي"، تعليقات على رواية فلسفية لمايكل مورفي

إليزابيث بينيا فيلاسكو

 

نص مقدم لليوم الدراسي عن هنري كوربان،

السوربون، باريس، 17 دجنبر 2005

 

مقدمة

مايكل مورفي مؤسس "إيسالين"، وهو معهد أنشئ سنة 1962 في جنوب كاليفورنيا، يصفه بأنه "معهد لتشجيع الاشتغال بالعلوم الإنسانية والعلوم التي تنمي القيم والإمكانات الإنسانية. وتتمثل أنشطته في تنظيم المناظرات، وبرامج الدراسات والاشتغال في عين المكان، والمحاضرات التي يدعو لها المعهد، والأبحاث والمشاريع التي تتم في إطار التعاون مع الخارج".

وقد حافظ مايكل مورفي على علاقات تبادل مكثفة مع السوفياتيين، سارت أبعد من المبادلات الدبلوماسية ومبادلات حسن النوايا. كان مقصده يتمثل في "فتح الطريق" بصورة شاملة نحو بعد روحاني جدي. وكانت هذه الفكرة ذات قوة جبارة في زمن الحرب الباردة. من ثم، علينا أن نحدد نشاط مايكل مورفي وتاريخه في السياق الخصوصي للمواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

"العالم الباطن هو الحد الأقصى"، هكذا يقول مايكل مورفي الذي كرس حياته لبحثه الروحاني الخاص واستكشف الإمكانات الموازية للعادي للوجود الإنساني والمجاوزة له، كما يسميها، لتجاوز الحدود الذهنية والجسمانية.

و"نهاية تاريخ عادٍ" رواية كتبت بالإنجليزية، وهي مستوحاة بشكل خاص من كتاب هنري كوربان "الجسد الروحاني والأرض السماوية". وتنطلق الرواية التي نشرت في 1982 من بعض الأحداث من الحرب الباردة، ومن التحقيق الذي أنجزته حكومة كل من القوتين العظميتين في مجالات الباراسيكولوجيا، في الفترة ما بين 1972 و1982، وهي التحقيقات التي تم الاعتراف بها في وثائق سرية نشرتها "السي إي إي" (وكالة الاستخبارات الأمريكية) تبعا لما يعرف بالفعل الحر للإعلام (Freedom Information Act).

وقد اتصل مايكل مورفي بعدد من العلماء الذين كانت لهم يد في تلك البحوث من خلال معهد العلوم العقلية ومعهد الأبحاث سطاندفورت، مثل مدير "النازا" جيمس فليتشر، ورائد بناء المركبات الفضائية، وعالم الفلك في مشروع أبولو إدغار متشيل، الذي أكد أنه عاش تجربة صوفية في الفضاء، والفيزيائي الخبير في اللايزر رازل طارغ الذي يقدم أشغاله في الباراسيكولوجيا في العديد من المنشورات العلمية ذات المستوى الرفيع في الأكاديمية السوفياتية للعلوم.

وقد أكد مايكل مورفي من جهته أنه عاش لقاء مع ملاك أنثوي في أواسط التسعينيات لمدة ثلاثة أشهر، وهو اللقاء الذي يصفه باعتباره رؤيا ذاتية وموضوعية في الآن نفسه غير أنها روحانية وواقعية بشكل عميق.

"نهاية تاريخ عادي"

تتناول الرواية اللقاء بين عالمين، أحدهما من أمريكا الشمالية والثاني سوفياتي، داروين فال وفلاديمير كيروف، وكلاهما ينجز بحثا لفائدة حكومته عن "البنية الذرية للإدراك الاستبصاري" و"الحقول الحركية النفسية". وقد انتبه السوفياتي، الذي يعيش تجاربه الصوفية الخاصة، أن ثمة العديد من الروابط بين أعمال الأمريكي وتعاليم الطائفة الدينية التي كان ينتمي لها في سمرقند. ولا مجال للتذكير بأن المناخ العام لم يكن ملائما في تلك الفترة لتطور التصوف. فمن جهة، كانت السلطات السوفياتية تحذر من كل ما له علاقة بالدين، ومن جهة أخرى كان المسلمون المحافظون يعتبرون أن للتصوف آثارا سلبية على حياة الإسلام.

يجسد العالم السوفياتي في ذاته هذا الصراع، فجده علي الشيرازي (لنلاحظ الإحالة إلى الملا صدرا)، كان شيخا صوفيا أورثه التعاليم عن وجود عالم هورقليا [عالم الأجسام الشفافة بعد تحلل الأبدان العرضية بعد الموت] وذلك في تيار الأفلاطونيين الجدد في فارس، من السهروردي إلى الشيخ أحمد الأحسائي؛ ثم إن أباه الذي كان إيديولوجيا كبيرا في النظام السوفياتي أدخله إلى النظام السياسي السوفياتي. وسيحاول كيروف القيام بتركيب بين الفكر الصوفي والفكر العلمي الرسمي.

وهكذا نعثر على ذكر لهنري كوربان في الرواي: "يذكر كيروف أنه حين درس الباراسيكولوجيا بباريس سنة 1963، اشتغل تحت إشراف فرنسي متبحر في التصوف الإيراني وصديق لهنري كوربان الذي كان متخصصا في السهروردي".

يمثل مايكل مورفي رمزيا للشرق والغرب بمدينتي جبلقة (الشرق)، وجبرصة (الغرب)، مدينتي الزمرد، حيث تحيل المدينتان أيضا إلى كتلتين إيديولوجيتين. يعتبر مورفي أن التراث الروحاني الحي اليوم يوجد في الشرق. وإليكم وصف كوربان: "وبفضل التناظر الذي يمنح طابعا رمزيا للعوالم الثلاثة، يقدم عالم المثال أيضا تفرعا مقابلا للغرب المزدوج للعالم المادي، وهكذا فإن جبرْصة وجبلْقة تقابلان العالم الأرضي بشكل أولي، أما هورقْليا فتطابق سماوات العالم المادي".

تحكي الرواية أيضا تجارب رواد الفضاء بمركبة فضائية سوفياتية، من رؤية للبُعد آخر، ولفضاء أخضر زمردي، واللقاء مع الملائكة، وهو الحدث الذي ينتهي بمأساة، بحيث تنفلت من الرواد قيادة المركبة الفضائية أمام هول الظاهرة. كما تحكي الرواية تجارب باراسيكولوجية عديدة (من تجسس نفسي، وإدراك مسبق، وتخاطر، واستبصار). وكلها تنبني على ما يبدو على أحداث واقعية.

الأفكار الرئيسية بالعلاقة مع هنري كوربان

إنه لأمر بالغ الأهمية أن يلاقي المرء كتابا من هذا النوع كتبه أمريكي في عزِّ الحرب الباردة، تتم بلورته انطلاقا من العالم الصوفي كما تعرض له كوربان.

 من الأكيد أن ثمة ترابطا يتم بين التصوف والسياسة، غير أنها فكرة تنتمي حصرا لمايكل مورفي في روايته، ذلك أن هنري كوربان لم يفكر أبدا بهذه الطريقة. لكن لا يتعلق الأمر فعلا بالسياسة، وإنما بعرض فلسفي. كما أن الرواية ليست رواية للخيال العلمي، ذلك أنه نوع أدبي مستقل يمكّن من إدخال ما هو ممكن علميا في المتخيل الروائي"، بالمقابل فإن رواية مورفي لا تنبني فقط على وقائع حدثت، وإنما أيضا لأن فكرة التصوري imaginal هي من باب الواقعي. إنه واقع خاص تتم فيه الأحداث الواقعية.

وبعيدا عن عمق فكر هنري كوربان، يعبر مورفي بشكل بسيط جدا عن الأفكار التالية من التفكير الكورباني:

-         أولا، فكرة التصوري أو عالم المثال، التي يتم التعبير عنها بعالم هورقليا، أو عالم الأجسام الشفافة، وهي مفتاح الرواية والاستلهام الذي يقوم به مورفي من كتاب كوربان: الجسد الروحاني والأرض السماوية. ويعبر كيروف، الشخصية السوفياتية للرواية، مرات عديدة عن ضرورة عالم المثال باعتباره المكان الذي تتم فيه الرؤى النورانية وأحداث النفس. وهورقليا هي الأرض السماوية، الأرض ذات المدن الزمردية، وعالم البعث، والعالم بين العالمين حيث سيقوم الإنسان برحلته الأخيرة. ليس ثمة من خلط مع الفضاء الخارجي: "لن تحلق مركباتنا الفضائية هناك... غير أن أجسامنا، حين ستصبح معابر للنور يمكنها أن تقوم بالرحلة". ويبدو هنا أن التمييز بين عالم المتخيل والتصوري (عالم المثال) واضحة.

-         التاريخ: بالرغم من أن مورفي مشروط بظروفه التاريخية، فإنه يقترح أن التصور التقليدي للتاريخ غدا متجاوزا بالتاريخ التصوري الذي يتحدث عنه كوربان. التاريخ التقليدي خطي وتطوري، ويتضمن التصور الماركسي باعتباره" تطبيقا للنظريات الثورية، وخاصة منها الفكرة الشيوعية أو فكرة الوضعية الجدية للعالم"، وهي ما يسميه مورفي التاريخ العادي. 

يتم التاريخ التصوري لهنري كوربان في هورقليا، وهو التاريخ الذي يسميه مورفي خارقا. ومن ثم يأتي  عنوان الرواية: "نهاية تاريخ عادي". ومورفي، كما هنري كوربان، يندد بالاختيار الصعب المزيف: إما التاريخ أو الأسطورة. فهورقليا لدى كوربان لا هي مكان التاريخ ولا مكان الأسطورة بالمعنى الجاري لهذه الكلمات. فمورفي يعتبر أن هذا التاريخ التصوري يمثل أملا وفي الآن نفسه إمكانية واقعية.

-      هورقليا هي أيضا في الرواية عالم البعث. ويستلهم مورفي من الشيخ أحمد الأحسائي تعابير: الأرواح نور وجودي ذائب، والأجسام نور وجودي جامد، وتجديد الخلق. والفرق بين الاثنين كما الفرق بين الماء والثلج. أما تجديد الخلق فهو الذي أعلنه الملك إسرافيل بعد النفخة الثانية في الصور (القرآن، السورة 39، الآية 68)، وهو إعادة لكل شيء إلى نقائه العدَني المطلق، ودورة كونية جديدة. وفي نظر مورفي، يتعلق الأمر ببساطة بأن "الأنفس كما الأجساد تتكون من النور المقدس نفسه، وستصبح كيانا واحدا في الخلق الجديد".

يمنح مورفي أهمية كبرى للجسد الأرضي ويختزل المفهوم المركب للجسم في لحظة البحث حسب المدرسة الشيخية في الجسد (أي جسم العناصر العادية)، الذي سوف ينصهر مع الجسم الأصلي كما يقول. وبهذه الطريقة "يغدو الجسم الوجه النوراني للنفس، وهي الوقائع التي لا يمكن لها أن تتم إلا في أرض هورقلْيا".

-         رؤيا الملاك: يقول مورفي: "الملائكة مرايا. وما نبحث عنه هو ما ينظر فيها". وتتم رؤيا الملاك تبعا للمتخيل الشخصي. إننا لا ندرك الملاك بوصفه شيئا، وإنما تبعا للمقدار الحق لوعينا. وهي الفكرة التي يمكن لمورفي أن يضعها بالموازاة مع رواية "أفعال الحجارة" [لفوو ليون] التي كان كوربان يحب الاستشهاد بها "رأيته بمقدار قدرتي على الإمساك به"، إحالة إلى تحول المسيح.

-         إن نهاية تاريخ عادي ليست رواية كوربانية بالمعنى الفلسفي والميتافيزيقي الذي يعرضه كوربان. فمورفي يعتبر أن التجربة الصوفية مسألة تخص الحياة اليومية التي تعيشها شخصياته العادية.

العالم البيني لهورقليا حاضر بقوة، غير أنه لا يمكن إلا أن يرى  ويدرك بعضو الإدراك الهورقليي. نتيجة لذلك فإن أفقنا التاريخي يمكن أن يتحول إلى تاريخ خارق، التاريخ التصوري الذي بينه لنا هنري كوربان.

 

 

1.      كاتالوغ إيسالن، معهد إيسالن، بيغ سور، كاليفورنيا، 2004، 88 صفحة.

2.      جاكي كرينتزمان، في مملكة مورفي، مجلة سطاندفورد.

3.      انظر جيف كريبال، الجنس مع الملائكة، الذهن غير المتموقع ونهاية تاريخ عادي (1983)، نص قدم في ندوة "العلاقات الخفية: إيروس والجنسانية في الباطنية الغربية"، إيسالن، 3-8 أبريل 2005. وقد أنجز كريبال حوارات مطولة مع مورفي وراسل طاغ لكتابة هذا البحث باعتباره جزءا من تاريخ إيسالن وعنوانه هو: نورانية الجسد: تاريخ غير عادي لإيسالن، منشورات جامعة شيكاغو.

4.      مايكل مورفي، نهاية تاريخ عادي، ج. ب. تارشر، 1982، ص. 138.

5.      هنري كوربان، الجسد الروحاني والأرض السماوية. من إيران المزدكية إلى إيران الشيعية، بوشي/ شاستل، باريس، 1979، ط. 2، الطبعة الثالثة صدرت في 2005. عن دار النشر نفسها. يحيل عرضنا للطبعة الثالثة، ص. 105.

6.      انظر مثلا الروبير الصغير، ص. 1778.

7.      "spaceships will not fly there... our bodies, though, when they become vehicles of light, can make the journey"، مورفي، مم. ص. 133.

8.      أندري جاكوب (إشراف)، الأنسيكلوبيديا الفلسفية العالمية، ، مج. 3، المنشورات الجامعية الفرنسية، باريس، 1992، ص. 1970.

9.      هنري كوربان، مرجع مذكور، ص. 105-106.

10.  م. مورفي، المرجع المذكور، ص. 118.

11.  هنري كوربان، مم، ص. 122.

12.  القرآن ، 39/67: "ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون".

13.  هنري كوربان، م م، ص. 119.

14.  "Both souls and bodies are made of the same holy light, and they will become one in the New Creationنفسه، ص. 118.

15.  " The body will become the luminous face of the soul"، نفسه، ص. 112-113.

16.  "Angels are mirrors: What we are looking for is the thing that is looking"، نفسه ص. 82.

17.  "وفعلا، فإن كل واحد منا كان يراه، تبعا لمقدار استطاعته، وبمقدار ما يمكنه النظر. سأشرح لكم الآن ما قرئ عليكم. أراد ربنا أن يريني جلالته فوق الجبل المقدس. لكن حين أبصرت مع أبناء زبيدة نوره خررت صريعا... فمد لي يده وأوقفني. وما أن ثبتُّ على رجلي حتى رأيته كما استطعت ذلك." أقوال حواريي بولس، الكتابات المسيحية المختلقة، غاليمار، 1997، ترجمة جيرار بوبون، ص. 1086.

 

 

========================

 

 

 

Glauco GIULIANO

 

غلاوكو جيوليانو

 

سيداتي وسادتي. سأكون ممتنا لرحابة صدر بيير لوري إذا سمح لي ببعص الكلمات في هذا المكان الرائع، بصدد كتبي عن هنري كوربان. ففي هذه الكتب أنظر إلى كوربان باعتباره شيخا لفكر هو الفكر الأوروبي الآسيوي، أو الأوراسي eurasiatique.

وقد شجعتني الإشارات العديدة إلى المشرق الأقصى في كتاباته، اقتنعت فعلا بأن المنهجية الكوربانية يمكنها أن تكون خصبة فيما وراء الديانات الإبراهيمية أيضا، بهدف استعادة بل وبناء الوحدة الروحانية للشرق والغرب، أي لأوراسيا.

وبما أن هذا الهدف كان يصاحبني فقد درست بالأساس موضوعتين. الأولى عبارة عن تأويل لعالم المثال، الذي رأيت فيه ليس فقط الوظيفة والموقع التوسطي وإنما أيضا طبيعته الموحدة والشمولية. وقد أشار كوربان إلى أن هذا العالم ليس متموقعا وإنما مُموقِعا. كما ذكَّر باستمرار بصورة الخروج من العالم فيما وراء جبل قاف. وكما نص على ذلك في كتابع عن ابن سينا، فإن الفيلسوف العرفاني الذي خرج من العالم المحسوس، وفي منتهى صعوده التصوري يستبطن ذلك العالم ويجعله في دواخله. وهكذا فإن القطبين، المحسوس والمعقول من هذا العالم ينتميان واقعيا وحسيا إلى هذه الكلية الموحدة. وهما لا يظلان بأي معنى خارجها؛ ففي داخلها فقط يحوزان على دلالتهما الحقة التي لا نعرفها نحن في شرطنا باعتبارنا منفيين في غرب الروح.

ونحن نعرف أيضا أن الشرق والغرب في اصطلاح كوربان كما في اصطلاح الإشراقيين يعنيان المعقول والمحسوس، المتحدين في الشرق الأدنى للنفس، وفي الشرق الأوسط لعالم المثال. ومن هذا المنظور الجيوحكمي géosophique ، فإن أوراسيا تتبدى لنا باعتبارها صورة عالم تمنحها وحدة القطبين (المعقول والمحسوس، والشرق والغرب) طابعا ذهنيا، يمكن مقارنته ببعص العرفانيات الشرقية، وخاصة منها البوذية.

يقودني هذا إلى موضوعي الثاني. فقد تعاطى كوربان في سنواته الأخيرة بالأخص كما نعلم، للكفاح من أجل روح العالم والضرورة المستعجلة للحكمة الصوفية، وهو ما لا يعني رفض الفرد وإنما استعادة وحدة الشخص وتمامه، باعتباره الشخص المكتمل في وحدته التصالية مع بعدن السماوي. وهكذا فهو يحدثنا عن زوج حكمي صوفي، وعن وحدة ثنائية، الخ. يمكننا من ثم أن نوافق تعاكسيا بين وحدة عالم المثال، ووحدة أوراسيا، ووحدة الشخص. ويحثنا كوربان على إعادة بناء كلية هذه الثنائيات المتناظرة التي تشكل وحدة ثلاثية.

يمكننا إذن أن نتصور إمكانية تبادلية: فمن جهة، دراسة المتافيزيقات الشرقية (أو بالأحرى الميتافيزيقا الشرقية)، في تعبيرها البوذي في المقام الأول، القريبة لنا أكثر، والتي يحيل إليها غالبا كوربان، وهو ما يمكننا من تعميق الدلالة العرفانية والذهنية لمفهوم عالم المثال؛ ومن جهة ثانية البعد الشخصي الذي يمكن فيه فقط لهذا العالم أن يكون واقعيا وحقا وأن ينير المضمون الأنطولوجي للميتافيزيقات الغربية، ومن ثم أن يكشف لنا أيقونة أوراسيا.

شكرا جزيلا لكم