Identité et théophanies

René Guénon – Henry Corbin

 

الهوية والتجليات

روني غينون وهنري كوربان

 

 

 

هذا النص تلخيص لدراسة سيجد فيها القارئ كل المراجع (كزافيي أكار، "الهوية والتجليات. روني غينون (1886-1951) وهنري كوربان (1903-1978)، ضمن "روني غينون، القراءات والرهانات، مجلة بوليتيكا هرمتيكا لوزان، ع. 16، 2002، ص. 181-200). وهي تتمة لدراسة مكرسة لعلاقات روني غينون ولويس ماسينيون الذي كان أستاذا لكوربان (كزافيي أكار، "النار والماس؛ لويس ماسينوين وروني غينون"، ضمن كزافيي أكار (إشراف)، ناسك الدقي، ميلانو، منشورات أرشي، 2001، ص. 287-325). وسيجد القارئ عناصر إضافية في: كزافيي أكار، غينون أو قلب الوضوح. تأثيره الميتافيزقي على الحياة الأدبية والفكرية  الفرنسية (1920-1970)، باريس، 2005، 1222 صفحة.

 

يتمثل موضوع هذه المداخلة في توضيح نقط التوتر الموجودة بين مؤلفات روني غينون (1886-1951) وهنري كوربان (1903-1978). وستهتم بالأساس بالمؤلفات التي تم التنصيص عليها من قِبل المؤلفين نفْسيهما. وهو أمر ممكن بفضل النصوص الثلاثة لكوربان التي لم تستغل في توضيح هذه المسألة بالرغم من أهميتها الجوهرية، خاصة وأنها تمثل ثلاثة معالم في مسيره الفكري. وهكذا سنرى في ثلاث لحظات:

1.                            يتحرر كوربان مبكرا من مؤلفات غينون وينحو باتجاه فضاءات روحانية لم يرجع إليها غينون إلا في النادر.

2.                            بعد الحرب، بدأت تظهر الاختلافات في تأويلهما للمذاهب الروحانية الإسلامية.

3.                            إذا كان كوربان قد قام في العقد الأخير من حياته بتشخيص لأمراض العالم المعاصر قريب من تشخيص غينون، فقد حاول لمعالجة الداء تكوين نخبة غربية خاصة.

I -    في البدء، علينا دراسة الكيفية التي تحرر بها كوربان بصورة مبكرة من مؤلفات غينون ليتوجه نحو آفاق ثقافية بعيدة شيئا ما عن اهتمامات هذا الأخير.

أ‌.                      ليس لنا لسوء الحظ الوقت للتفصيل في المسير الفكري لكوربان. لنقل فقط بأنه قد تابع دراساته في الوقت الذي كان فيه غينون يتمتع بصيت كبير، في أوساط كان غينون على علاقة بها. وقد افترضنا أن كوربان كان يعرف مؤلفات غينون إلى أن توصلنا إلى توكيد رائع لذلك.

وفعلا، فإن كوربان وهو ابن الخامسة والعشرين نشر مقالا باسم مستعار هو طرانغ-ني في "منبر الهند الصينية"، مجلة "الكفاح من أجل هند صينية مستقلة"، يقدم فيه حصيلة لمؤلفات غينون. ويعتبر هذا المقال، وبشكل رمزي، الأول الذي أنتجه كوربان في مسيرته كمؤلف. وكان ذلك التحليل لغينون يدخل ضمن مقال يتناول القضية المطروحة آنذاك لعلاقة الشرق والغرب.

وقد شدد كوربان في البداية على الطابع الإيجابي الكبير لهذه المؤلفات.

1.                         علينا الاعتراف له بالجميل لأنه ميز الفكر الهندي عن الغرابية exotisme والتصوف الإلهي والباطنية. وبالأخص برهنته على الجوهر الحقيقي للباطنية.

2.                         هذه المؤلفات كانت "مقدمة جيدة لوجهة النظر الميتافيزيقية الخالصة، ولمجال اللامتشكل" informel. وكان كوربان مستعدا لتقبل نظام روحاني معين بشكل مسبق إذا ما كان بالإمكان الوصول إلى معرفة المبادئ نفسها.

3.                         وأخيرا، فقد اعتبر أن غير المتخصصين المهتمين بقضية التأثير الممكن للشرق "سيدينون له بديْن فكري كبير".

 

بيد أن الاعتراف بالديْن كان يبدو كما لو كان ابتعادا. وهو ما وضحه بعد ذلك معتبرا أن:

1.                            حل قضية الشرق والغرب يكمن في علاقة متبادلة (في الوقت الذي كان يعتبر فيه غينون أن الشرق هو المحور الذي يدور في فلكه الغرب).

2.                            لهذا فهو لا يقاسمه "نقده اللاذع للفلسفة الغربية بكاملها [...] وللمناهج العلمية الغربية". وهو بذلك كان يريد البقاء منتبها لتطوراتها.

3.                            ينادي كوربان في الأخير إلى التوجه نحو "الإنسان الفاوْستي" للاستجابة للمتطلبات الفكرية للراهن.

 

ب‌.                هذا التوافق مع العالم الروحاني الألماني الغريب على غينون سوف يبعده عن مؤلفات هذا الأخير.

1.   فكوربان الذي قام بالعديد من الرحلات إلى ألمانيا اهتم بدءا باللاهوت البروتستانتي وخاصة لاهوت لوثر الشاب. ونحن نعرف أن غينون كان يعتبر البروتستانتية أحد أعراض الانحراف الحديث. ومع ذلك يمكننا أن نعثر على بعض التلوينات والاختلافات في الرسائل. وعلينا أن نسجل أنه كان منتبها إلى وجود متعبدين أحقاء في البروتستانتية.

2.       هذا يقودنا إلى اهتمام كوربان بالحكمة الإلهية الألمانية. وكان غينون قد قام بتمييزها عن التصوف الحكمي منذ 1921. فقد اعتبر أن مذاهبها –وهو ما يهم ما سنأتي إليه لاحقا- "ذات ملامح مشتركة تتمثل في كونها تصورات باطنية صارمة، ذات مصادر بل صوفية أيضا، وإن كانت ذات منحى تصوفي غريب بعض الشيء".

3.       وأخيرا فإن كوربان ظل مرتبطا بالفلسفة. فقد كان كما نعرف أول مترجم لهايدغر إلى الفرنسية. كما أن أسئلته المتكررة لماسينيون عن علاقة الفلسفة بالتصوف هي التي حذت بهذا الأخير إلى أن يهديه كتاب السهروردي "حكمة الإشراق" الذي سوف يترجمه فيما بعد إلى لفرنسية. وفي 1939، قبل أن تحاصره سنوات الحرب في إسطنبول وينغمس انغماسا في مؤلفات السهروردي، قام بنشر مونوغرافية أولى عن المفكر الفارسي.

 

II-                بعد الحرب العالمية الثانية، سوف يقع الخلاف بين كوربان وغينون بخصوص تأويل المذاهب الروحانية الإسلامية. وهي اختلافات تعود لاختلاف التوجهات التي سجلنا، لكن أيضا إلى المقاربة الفينومينولوجية لكوربان.

أ‌.        الاختلاف في التوجه

1.       قام روني غينون سنة 1947 بكتابة تقرير عن المونوغرافية المذكورة، وكان كوربان حينها حديث العهد باكتشاف إيران. فقد أعجب بالقسم التاريخي، غير أنه عاتبه على كونه لم يميز بين المذهب الفلسفي والتصوف الحق. وقد كان المذهب الإشراقي لا يندرج في أي سلسلة منتظمة.

2.       ثمة الكثير مما يقال عن هذه التحقيقات. فالاعتراض الأساس الذي ووجهت به تلك الدراسة هي مسألة "الربط". فكما سيوضح كوربان ذلك فيما بعد، كان يعتبر أن طرائقه في الوسط الشيعي تختلف عن الطرائق التي قدمها غينون بعد 1932 باعتبارها عادية. كان التشيع في نظر كوربان هو العرفان الأصلي للإسلام الذي انفصل عنه التصوف ليضفي على النبي صفات الإمام. ولم يكن المجتمع الشيعي مجتمع عارفين وإنما مجتمعا مساريا بشكل افتراضي؛ ذلك أن أن المؤمنين كان بإمكانهم الارتباط بالإمام مباشرة، أي عموديا من خلال عباداتهم. ولم يكونوا بحاجة إلى الارتباط بسلالة إنسانية.

3.       إنه لأمر هام أن يقبل غينون بهذه الإمكانية بشكل استثنائي. غير أنه يوضحها بحالة جاكوب بوهم العزيز على كوربان. وقد أوضح غينون أن المساوئ تتمثل مع ذلك في كون العارف، بما أنه غير واع بطبيعة ما يتلقى، فقد يبدو كما لو كان متصوفا. وهو ما يذكرنا بالتعريف الذي قدمه سنة 1921 للحكمة الإلهية (الثيوصوفيا). ومن المفيد أن نضيف أن غينون، في تقرير له سنة 1929 عن كتاب لغوربينو، قد سجل أن الاختلاف الأساس بين مدارس التصوف العربي والمدارس الفارسية تتمثل في أن الباطنية في هذه الأخيرة "تأخذ طابعا أكثر "تصوفية" [...]، فيما أن الأولى تظل فكرية وميتافيزيقية خالصة". 

وهكذا فإن دراسات كوربان كانت تتصل بفضاءات ثقافية لا تنصاع تقاليدها للتمييزات القاصمة لغينون.

 

ب‌.   أما الاختلاف الثاني في مجال المذاهب الشرقية فيتعلق بمقاربتها للمعارف الروحانية.

وقد استطعنا إيضاح هذه النقطة بفضل رسالة يقوم فيها كوربان برد حاد على هجمة محمد حسن الأصقري أحد أتباع غينون وهو أستاذ في جامعة كراتشي. وفي هذه الرسالة، ينتقد كوربان أتباع غينون أكثر من غينون نفسه (ومع ذلك فإن هذا الأخير لم يكن خارج دائرة النقد). وقد بدأ بملاحظة أن الأصقري يحيل "بشكل جريء" على مؤلفات غينون التي يمكن أن تشكل حقا "في مرحلة من مراحل الحياة صدمة شافية".

1.       ولفهم هجمات كوربان التي ستلي ذلك، علينا أن ندرك أن هذا الأخير يقارب النصوص الروحانية من وجهة نظره كفينومينولوجي. فهو يلح على ضرورة لقاء الظواهر "حيثما كانت وحيثما كان مكانها". وذلك المكان هو النفس. بل إن روحانيي الإسلام بكاملهم كرروا أن "الماء يأخذ لون الإناء الذي يوضع فيه"، من ثم فالأمر يتعلق بمساءلة لون الإناء. وهكذا، على عكس ما عارض به الأصقري ابن عربي، فإن كتاب الفتوحات المكية يقوم أولا على تجارب شهودية شخصية جدا.

2.       لهذا فإن كوربان كان يرفض فكرة "معرفة ميتافيزيقية صادرة عن العقل الخالص، ولا تكون لا "ذهنية" ولا "إنسانية". لذا، فإن ترجمة غينون للفظ العربي "عقل" بـ"intuition intellectuelle " [حدس عقلي أو فكري]، لم تسد خدمة هامة للغربيين، على عكس ما يقول به مساجله. فقد كانت ترجمة اختزالية. بل إن العديد من الاصطلاحات كانت تحيل إلى ربط العقل بالقلب. والحال أن السيد الأصقري لم يحل أبدا للمعرفة القلبية في دراسته لابن عربي.

3.       إن كوربان بإعادته توكيد إمكانية معرفة غير شخصية، كان يشكك في النفوذ العلمي لغينون. بل إنه قد ندَّد بشكل تلميحي، في مجلة "دفاتر الجنوب" سنة 1960 بكل طمع في "سلطة عقدية سرية وغير محددة، يحدث أحيانا أن يتمثل الغربيون سلطتها"، وكان لا يقبل من جهته بكون "الكلمة الفصل قد قيلت في مؤلفات غينون، وأن التأويل الحقيقي والنهائي كان هو كلمته".

4.      فحسب كوربان، كانت الغينونية تقود إلى "نزعة وثوقية [دوغمائية] أحادية الجانب كانت الغينونية الحقة ترفض أن تنساق معها. كما أنه يسجل أن ذلك السلوك المتمثل في التنديد وتحقير بكل ما ينجم عن "الفردية الشخصية"، والانغلاق في اللاشخصي والاحتماء خلف روح الوثوقية، يتماشى بشكل غريب مع الموضة الفكرية للستينيات. وقد كان كوربان بذلك يستعد لردة الفعل ضد العدمية التي غدت كاسحة في نظره.

 

III. قام كوربان في العقد الأخير من حياته بتشخيص لحالة العالم المعاصر قريب من تشخيص غينون، وحاول خلق نخبة ترتكز بالأساس على ميتافيزيقا "غربية" خاصة.

أ‌.                      قام كوربان بتشخيص لوضعية العالم يقارب التشخيص الذي أنجزه غينون. ففي عز الحرب الباردة كان يتخوف بالأساس من العلم الذي إذا ما انفلت من "مراقبة الميتافيزيقا" من شأنه أن يقود بالإنسانية إلى الهاوية.

 ففي نظره تعود إحدى العلل الرئيسة لأزمة حضارتنا إلى نسيان "العلوم الروحانية"، أو ما يتوافق عموما مع لفظ "الباطنية".

وهو يعني من خلال ذلك ما يحيل إلى "الأشياء الخفية المفارقة للمحسوس، وإلى الخفاء الذي تمارسه إزاء كل من لا يفهمهما ويحتقرها، وإلى الولادة الروحانية التي تولِّد بالمقابل إدراكها". ويضيف إلى ذلك، ربما لتجاوز ما قاله عن الباطنية وجوهرها سنة 1927، إن هذا الاصطلاح "لا يعني أي احتكار لسلطة عقدية ما تؤسس نفوذها على امتيازاتها". يتعلق الأمر إذن بتكوين بؤرة تعمل على استعادة "العلوم الرفيعة" وفي هذا الإطار والأفق أنشأ سنة 1970 جامعة القديس يوحنا المقدسي.

ب‌.                 خلافا لحلقة إيرانوس، كانت تلك الجامعة كما يدل على ذلك اسمها، تنحصر في مجال الديانات السماوية الثلاث. ففي تصور كوربان، كان الأمر يتعلق بتأسي تلك النخبة على عالم روحاني يتعارض مع ما يسميه "اللاثنائية الآسيوية".

1.      جورج فالان

وقد ألح على ذلك كثيرا بمعارضته سنة 1977 للفيلسوف جورج فالان، الذي كان متأثر أيما تأثر بمنظور غينون. فقد اعتقد هذا الأخير أنه عثر على الصبغة المركزية "للفكر الغربي" في المطابقة التي تقوم بها بين الفردية، والأشكال الفردية والواقع. والحال أن مبدأ التشخُّص individuation كان حسب فالان بترا ونفيا للوجود الفعلي، أي للذات اللاشخصية باعتبارها الواقع الحقيقي. وقد رأى في ذلك أصل العدمية التي كان كوربان يناهضها.

2. فحسب كوربان، الذي كان يستند على عرفان الديانات السماوية الثلاث (وبالأخص جاكوب بوهم وابن عربي)، سقط فالان في خطأ "قاتل". فالبتر لا يكمن في مبدأ التشخُّص ذاته وإنما في الطابع الفاسد للتك الفردية الشخصية بعد "خروج الإنسان من الجنة" الذي وصفته كل أنماط العرفان. الأمر يتعلق إذن باستعادة تلك الفردية في امتلائها الأصل لا إعدامها في مطلق لامحدد.

إن اعتبار أن مبدأ الإفراد يشكل بترا للوجود يعني السقوط في خلط مأساوي بين:

-         الوحدة المتعالية للوجود؛

-         ووحدة للموجود وهمية ومتناقضة.

وفهم هذا التمييز الجوهري يعني أيضا إدراك أن الأشكال الفردية، أبعد من أن تبتر الوجود، لأنها تمكنه من الانكشاف الكامل. وهكذا أراد كوربان إلحاق تلك النخبة بالأسرة الروحانية لأولئك الذي يكمن الهدف الأسمى للسعي والبحث لديهم لا في "الوجود اللامتحدد بالكامل" لآسيا التقليدية وإنما على العكس من ذلك "الوجود المتحدد تحددا كاملا".

 

*          *           *

إن هذا الأفق الميتافيزيقي قمين لوحده، حسب كوربان، بتشكيل "السور الواقي من كل القوى السلبية والعدمية". فالمضاد الحيوي الناجع لأزمة الحضارة لا يلزم أن يأتي من الشرق وإنما من القوى الروحانية للغرب نفسه. هكذا كان كوربان يفهم إحدى الحِكم المأثورة لديه من أوبرا بارسيفال:

"لا تبرئ الجرح سوى الحربة التي كانت سببا فيه".

 

كزافيي أكّار

دكتور بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا. باريس.