Post-scriptum biographique à un
Entretien philosophique
تذييل
بيوغرافي على
حوار فلسفي
هنري
كوربان
وأنا أعيد قراءة نص الحوار
الذي أجراه
معي فليب نيمو، جاءني الانطباع بأن أغلب الأسئلة الجوهرية التي شغلت حياتي باحثا قد تم تناولها
فيه على الأقل تلميحا. وبالتأكيد فإن الفجوات لا تنعدم فيه، ومنها كان من الممكن أن تمرير العديد من التطويرات والشروح غير النافلة. لكن الحوار
كان سيستمر إلى ما لا نهاية…
ومن بين هذه الفجوات، ثمة بعضها كانت ستحمل توضيحات لن تُظهر بوضوح كاف مسيري الروحاني، ومراحل سيرة حياتي.
فقد ألمحت إلى
تكويني
الأصلي
كفيلسوف. وأن يتعاطى
طالب
فلسفة
للفلسفة
الألمانية أمر
غير مفاجئ.
أما أن يتبع
سبيل الفلسفة
الإسلامية،
بالعربية والفارسية،
فذلك هو الأمر
غير المتوقع كثيرا. وأن
يمزج بين
السبيلين،
فالحالة هذه
بالغة الندرة.
كيف تمت إذن
هذه اللقاءات؟
لن
يندهش أحد من
أن يكون طالب
فلسفة، قام
بهضم واع للمؤلفين
المبرمجين في
الإجازة،
متشوقا
لاستكشاف
قارات جديدة
لا تندرج في
برامجه
الدراسية. ومن
بين هذه
القارات التي
لم تستكشف إلا
نادرا كان ثمة
الفلسفة
الوسيطية،
التي جاءت
دراسات أبحاث
إتيين جيلسون
لتجديد
دراستها تجديدا
تاما. وهكذا
طلع الفجر على
هذه القارة
المنسية التي
كان يكفي قبس
من نور لكي
يستجذب إليها
طالبا متعطشا
لتوسيع دائرة
مغامرته الفلسفية.
ففي سنة 1923-1924،
إذا لم تخني
الذاكرة، بدأ
إتيين جيلسون
دروسه
الفريدة في
قسم العلوم
الدينية
بالمدرسة التطبيقية
للدراسات العليا
بباريس. وفي كل
الأحوال
فانطلاقا من
هذه السنة كنت
طالبا لديه.
وأريد هنا أن
أثبّت مرة إلى
الأبد
الذكريات
الساطعة التي
تركتها في دروس
إتيين
جيلسون، التي
تابعتها لمدة
سنوات عديدة. لم تكن منهجيته
تتمثل أبدا في
أن يطلب من
طلبته ترجمة
هذا المقطع أو
ذاك من النص،
أو في أن يطلب
رأيهم كي يقوم
في الأخير بتعليق
ما. كانت
المرحلة هي
تلك التي كان
فيها الطلبة
يفدون كي
يستمعوا للأستاذ
لا لزملائهم،
لأنهم لم
يكونوا يشكون
في أن الأستاذ
على معرفة
أعمق وأوسع من
معارفهم. كان
جيلسون يقرأ
النصوص
اللاتينية،
ويترجمها بنفسه
ويستخرج منها
كل
محتوياتها،
المعلن منها
والمضمر في تعليق
لائق بأستاذ
يسير نحو عمق
الأمور. وكان
إعجابي به من
الكِبر بحيث
قررت أن أتخذ
منه نموذجا
لي، وبحيث
سعيت فيما بعد
أن أقوم بخصوص
الفلسفة
والإلهيات الإسلامية
بالدروس
نفسها التي
كنت أرغب في
سماعها في تلك
المرحلة، والتي
لم يكن أحد
يقوم بها. ومن
بين النصوص التي
تناولها
إتيين جيلسون
خلال تلك
السنوات الخصيبة،
كان ثمة
النصوص
المترجمة من
العربية إلى
اللاتينية
بمدرسة
طليطلة في
القرن الثاني
عشر، وعلى رأس
تلك النصوص
كتاب ابن سينا
الشهير كتاب الشفاء،
والذي كان
تعليق جيلسون
يمنحه كامل
عظمته ومداه.
ذلك كان أول
لقاء لي
بالفلسفة
الإسلامية.
وقد اكتشفت فيه
تقاربا بين نظرية
الكون وعلم
الملكوت، بحيث
تساءلت
بخصوصه إن لم
يكن ثمة سبيل
لتعميقه في
جوانب أخرى،
وأعتقد أن هذا
الهم الملكوتي
لم يفارقني
منذ ذلك
الوقت.
لكن في
انتظار ذلك،
فرضت مهمة
نفسها علي
بشكل ملحاح. فلكي يرى
المرء بعيدا،
عليه أن ينظر
بنفسه في النصوص.
ولكي يتم
ذلك، كان علي
أن أباشر تعلم
اللغة
العربية. وقد
شجعني جيلسون
نفسه على ذلك.
لهذا، ومنذ
الدخول
الجامعي 1926-1927،
أدرت الظهر
للتبريز في
الفلسفة
وأخذت طريق المدرسة
الوطنية للغات
الشرقية. لم
تكن هذه
المدرسة في
تلك المرحلة
تلك "الآلة
العظيمة"
التي أصبحتها
اليوم. كانت
العمارة
الصغيرة
بزنقة ليل
بباريس تفصح
عن الحال
الحميم
لمدرسة لا
تزال في
الوضعية التي
تركها فيها
سلفستر دو
ساسي أول رئيس
لها. وكان قسم
كل لغة لا
يتجاوز ثلة من
الطلبة، ومع
صديقي جورج
فاجدا، كنا
الطالبين
الفيلسوفين
الوحيدين
الضالين في
تلك المؤسسة
الموقرة. وولوج
مدرسة اللغات
الشرقية هو
الذي هيأني لولوج
المكتبة
الوطنية، حيث
تمت المناداة
علي باعتباري
مستشرقا منذ
سنة 1928. وكان
ذلك المرور
بالمكتبة
الوطنية هو
الذي سيفضي بي،
ويا
للمفارقة،
إلى الانفلات
بنفسي نهائيا
نحو المشرق.
لكن،
وفي تلك
السنوات
بالضبط، كان
ثمة دروس أخرى
قابلة لأن
تغير مسار
الشاب
الفيلسوف
المتحمس
وتجعله يحيد
عن الطريق
المشترك
للبرامج الدراسية.
كان ذلك يتمثل
في دروس إميل
بريهييه. ومع
ما يناهز
الخمسين سنة
من الزمن، لا
نزال نحس أن
المقاربة بين
اسم الأستاذين
تخلق
الاحتكاك
العنيف. فإميل
بريهييه، والذي
كان في هذا الصدد
وريث
التصورات
الفلسفية
لعصر الأنوار،
كان ينادي بأن
لا وجود
لفلسفة
مسيحية. وكانت
مؤلفات
جيلسون
بكاملها تفند
أقوله أيما
تفنيد، وظل من
الصعب علينا
الخروج من درس
عن دون سكوت،
والقبول بعدم
وجود فلسفة
مسيحية. فكيف
يمكن إقناع
رجل عقلاني
عقلانية
صارمة، بفكرة
أن معطيات
الكتب
المقدسة
يمكنها أن
تكون عمادا
للتأمل والبحث
الفلسفي؟ وإذا
ما نحن رفضنا
ذلك، فلن يكون
ثمة لا فلسفة
يهودية ولا
فلسفة
إسلامية. ولن
نعرف أبدا إذا
ما كان المعلم
إيكار وجاكوب
بوهم سيبقيان
في حظيرة
الفلسفة
الألمانية. وتسير
المفارقة
أبعد من ذلك،
غير أنها لا تقوم
سوى بترجمة
أحد "أنماط
الوجود" التي
قلنا في
الحوار
السابق أنْ
ليس ثمة من
قوة إنسانية
خارجية
يمكنها أن تجعلها
تستسلم.
ومهما
كان الأمر،
فقد كان إميل
بريهييه
مستغرقا في
كتاب "الربات
التسع" لأفلوطين
الذي كان يقوم
بتحقيقه
وترجمته
ويعده للنشر.
وفي سنة 1922-1923،
كان قد ألقى
دروسا
بالسوربون عن
أفلوطين
والأذكار
الميتافيزيقية
البوذية،
وجاءت دروس
السنوات
الموالية
لتبرز آثارها.
ومن جديد،
لنطرح السؤال:
كيف لطالبٍ
متعطش
للمغامرة
الميتافيزيقية
أن يقاوم هذا
النداء
المتمثل في
تعميق
تأثيرات أو
آثار الفلسفة
الهندية على
مؤلفات مؤسس
الأفلاطونية
الجديدة؟
لكن، لذلك كان
علي أن أتعلم
السنسكريتية.
غير أني كنت
قد قررت قبلها
تعلم اللغة
العربية. فكيف
لي أن التوفيق
بين الأمرين؟
كان علي
اختيار
الواحد منهما
أو الآخر، وهو
ما كان سينصحني
به أي فيلسوف
أو فقيه لغة
طلبت نصحه. بيد
أن الفيلسوف
له علله التي
لا يفهمها
فقيه اللغة
دائما. فقد كان
على الفيلسوف
أن يختار خفية
طبعا، الحل
البطولي
المتمثل في
البدء في
الوقت نفسه في
تعلم العربية والسَّنسكريتية.
وأؤكد أنها
كانت مرحلة
عجيبة من الزهد
الفكري. ولم
يكن لها أن
تدوم أكثر من
سنتين. وقد
احتفظت منها
بحصيلة
جعلتني عندما
أقرأ اليوم
كتابا عن الفلسفة
الهندية أو
البوذية، فإن
المصطلحات
السنسكريتية
التي تحتويها
لا تكون غريبة
عني كل
الغرابة. لكنني
عند انتهاء
السنتين، كان
لي أن أعثر في
طريق المشرق
على "الإشارة"
التي ستدلني
على الوجهة
النهائية
لطريق لا عودة
منه. فقد غدا
سبيلي منذئذ
يمر بالنصوص
العربية والفارسية.
وعلي أن
أقول بأن
الفيلسوف
الذي أصبح
طالبا ضالا لدى
اللسانيين قد
اعتقد أنه
سيموت من
التعلم الأولي
إذ لم يكن
غذاؤه يتكون
سوى من كتب
النحو
والمعاجم. فقد
تساءل غير ما
مرة، وهو
يتذكر الغذاء
الجوهري الذي
كانت تمده به
الفلسفة: ما
الذي أفعله
هنا؟ في أي ضلال
تهت؟ كان ثمة
مع ذلك مأوى
كانت تدرس فيه
الماهية
الرفيعة
للروحانية
الإسلامية.
كان ذلك المأوى
يسمى لويس
ماسينيون،
الذي بدأ منذ 1928
يزاوج بين
إدارة شعبة
الدراسات
الإسلامية في قسم
العلوم الدينية
في مدرسة
الدراسات
العليا
والتدريس في
الكوليج دو
فرانس. ولم
أحدس أبدا
أنني سأدعى في
يوم ما إلى
خلافته في
كرسيه الأخير
هذا. لكن
التباين بين
الدروس
المنهجية
الصارمة
لإتيين
جيلسون ودروس
لويس
ماسينيون كان
"خرافيا".
صحيح أن
الأستاذ كان
يوزع في بداية
السنة
برنامجا يقسم
الموضوع
العام إلى
دروس معينة.
لكن ما أهمية البرامج.
فقد كان يحدث
أن يبدأ درس
ما بإحدى الحدوس
الساطعة التي
كان المتصوف
الكبير ماسينيون
أحد عباقرتها.
ثم ينفتح
القوس ثم قوس
آخر، وآخر...
وفي
الأخير يجد
الطالب نفسه
مشدوها وضالا
في قلب مشكلة
الأستاذ مع
السياسة
البريطانية
في فلسطين...
لكن،
كان علينا ألا
نرى في ذلك،
وكنا فعلا لا نرى
في ذلك سوى
جانب ضروري من
الولع الذي
كان ماسينيون
يكتوي بحرقته.
وما كان لنا لنتخلص
من تأثيره. فنفسه
النارية
وغوصه الجريء
في لغز الحياة
الصوفية في
الإسلام، حيث
لا أحد بلغ
فيها ذلك
المبلغ وبتلك
الطريقة،
ونبالة
استنكاره
لنذالة هذا
العالم، كل
ذلك كان يسم
بميسمه أذهان
طلابه الشباب.
صحيح أنه
مع توالي
السنين، أصبح
من المستحيل
علينا ألا
ننتبه لبعض
الجوانب
الهشة ولبعض
الهفوات. وفي
سن متأخرة،
تأسف
ماسينيون
كثيرا حين لم
يستطع أصدقاؤه
مجاراته في
مواقفه
السياسية. غير
أن هذا لا يمس
أبدا الاحترام
الذي أثير به
ذكرى ماسينيون.
أكيد أنه كان
يفاجئ بعض
الشيء
الفيلسوف الذي
كنته، لأن
تكوينه
الأصلي لم يكن
أبدا ذا طابع
فلسفي، ومن ثم
بعض التأرجح
في المصطلحات
حين لا يكون
ذلك في بعض
المواقف التي
يتخذها. لقد
عرفت في بعض
الأيام وجها
لماسينيون
شيعيٍّ مغل في
التشيع، وأنا
مدين له في
هذه النقطة
كثيرا؛
فدراساته عن
سلمان باك وفاطمة
الزهراء لا
تزال تحمل
العديد من
الحدوس التي يلزم
استكشافها،
بتفعيلها مع
البحوث التي تمت
منذ ذلك
الحين. لكن في
أيام أخرى،
وجدته يعنِّف
أيما تعنيف
الشيعة
والشيعيين،
الذين ظلت نصوصهم
الكبرى فعلا
غريبة عنه. كنت
أدافع عنهم
معارضا إياه
بأن تصورهم
للإمامة لم
يكن جسديا، بل
أن العلاقة
العائلية بين
الأئمة لم تكن
سوى صورة
لرابطتهم
السماوية
الخالدة. فكان
ماسينيون
يندهش لحظتها
من غلوي في
التشيع. ألم
أكن قد بدأت
في دراسة
واسعة لنصوص
العرفان الإسماعيلي؟
بيد أنه عرف
كيف يؤكد
بشجاعة أن الإسلام
الإيراني قد
خلّص الإسلام
من كل ارتباط
جذري، عرقي أو
وطني، بالرغم
من أنه أسرَّ
لي أنه لم يحس
أبدا فيه أنه
"مرتاح". لذا
حين اتبعت
ببساطة الخط
الذي انتهجه
المشروع الواعي
للسهروردي "باعث
التصوف
الحكمي للأنوار
لدى حكماء
بلاد فارس
القديمة،"
تخوف
ماسينيون من
ذلك كثيرا.
فنصحني قائلا:
"لا تُمَزْدِك"
كثيرا. فما
كان ينبغي
العمل إذن؟
في البداية،
لا ينبغي
علينا أن نخطئ
اليوم الذي
ينبغي فيه طرح
الموضوع الذي
جئنا من أجله.
ثم، كان علينا
ألا ننسى
لماذا جئنا
لزيارته،
والإمساك
جيدا بالخيط
الرابط
للحديث. وآنذاك
تكون لنا حظوظ
أوفر أن نخرج
من عنده
راضين.
وهكذا
في أحد
الأيام، وكان
ذلك على ما
أعتقد في سنة 1927-1928،
حدثته عن
الأسباب التي
قادتني أنا
الفيلسوف إلى
دراسة
العربية، وعن
الأسئلة التي
كنت أطرحها
على نفسي عن
العلاقة بين
الفلسفة والتصوف،
وما كنت
أعرفه، من
خلال ملخص
هزيل بالألمانية
عن
السهروردي...
حينها، جاء
الإلهام ماسينيون
من عقر
السماء. فقد
حمل معه من
إحدى سفراته
بإيران طبعة
حجرية لأهم مصنف
للسهروردي
ألا وهو كتاب
حكمة الإشراق.
ومع الشروح
كان الكتاب
يشكل مجلدا
ضخما بأكثر من
خمسمائة صفحة.
فقال لي: "خذ،
أعتقد أنك ستجد
في هذا الكتاب
شيئا يخصك".
وكان ذلك
الشيء هو صحبة
الفيلسوف
الشاب شيخ
الإشراق، التي
لم تفارقني
طيلة حياتي.
كنت دائما
شخصا
أفلاطونيا
(بالمعنى
العام للكلمة
طبعا)؛ وأنا
أعتقد أن
المرء يولد
أفلاطونيا،
كما يمكن أن
يولد ملحدا أو
ماديا، إلخ. إنه
اللغز
المستعصي على
التفسير
للاختيارات
القبل وجودية.
فالأفلاطوني
الشاب الذي
كنته وقتها لم
يكن له سوى أن
يشتعل عند
ملامسة "إمام
أفلاطونيي
بلاد فارس". فلم أكف عن
الحديث عنه في
كتبي وفي
تحقيقاتي
وترجماتي
لمؤلفاته
بحيث لن أضيف
شيئا لهذا
هنا، سوى
لأحدد الملمح
الحاسم لذلك.
فعبر
لقائي
بالسهروردي،
تحدَّد بشكل
نهائي مصيري
الروحاني
لعبور هذا
العالم. وذلك
المنزع الأفلاطوني
كان يعبر عن
نفسه في
عبارات علم
الملكوت
الزارادشتي
لبلاد فارس
القديمة، وهي
تنير السبيل
الذي كنت أبحث
عنه. ولم يكن
علي أن أظل
متأرجحا بين السنسكريتية
والعربية.
كانت بلاد
فارس توجد في
المركز،
باعتبارها
عالما وسطا
ووسيطا، ذلك
أن فارس أو
إيران
العتيقة، ليست
فقط أمة أو
أمبراطورية ،
إنها عالم
روحاني كامل،
وبؤرة لتاريخ
الديانات. كان
ذلك العالم
مستعدا
لاستقبالي،
وقد استقبلني أيما
استقبال. ومنذ
ذلك الوقت،
انتقل
الفيلسوف إلى
مصاف المستشرقين.
وسوف
يصرح في ما
بعد، وقد
حنكته
التجربة
الطويلة، لماذا
يظل
الفلاسفة، لا المستشرقون،
الوحيدين
القادرين على
التكفل
ب"الفلسفة
المشرقية".
وهكذا
بدأت
المغامرة
الكبرى. وفي
العادة كان علي
بعد الحصول
على الإجازة
ودبلوم
الدراسات العليا
في الفلسفة أن
أقوم بتحضير شهادة
التبريز. كانت
تلك طريق
الحكمة من غير
مفاجآت،
عادية إلى
درجة أن أحد أساتذة
السوربون
الذي التقيته
صدفة لدى أحد
أصدقائي
والذي أخبرته
بقراري،
سألني بلهجة أبوية:
"أخبرني، هل
تملك ثروة
شخصية أو وقتا
تنذرهما
للضياع؟" لم
يكن لدي
والحمد لله لا
هذه ولا ذاك.
لكن كيف السبيل
إلى تحمل دروس
وآفاق
التبريز، حين
يكون لدينا
هذا الهدف
العظيم: أن
أقوم إزاء
الفلسفة
الإيرانية،
التي تتبدى
أعلامها
الكبرى من
خلال شراح
السهروردي، ما
قام به إتيين
جيلسون
لـ"بعث"
الفلسفة الوسيطية
الغربية. ربما
كان ذلك رهانا
ضد مصادفات القدر.
بيد أن
ذلك الرهان
أعتقد أن
السماء
منحتني فضيلة قبوله
وربحه.
ربما لم
نكن نحن سوى
بقايا من حلقة
أصدقاء
الأخوين
الرائعين
باروزي: يوسف
الأخ الأكبر،
صاحب كتابي
"إرادة
التحولات"،
و"حلم قرن"،
وعالم
الموسيقى
الذي كان ينشر
بانتظام في
مجلة
"المنستريل"
مقالات عميقة عن
الفكر
الموسيقى؛
وجان الأخ الأصغر،
الذي قضى
عشرين عاما في
كتابة أطروحته
الهائلة عن
جان دو لا
كروا، التي
كان لها
المعجبون بها
والناقدون
لها. خلَف جان
باروزي
ألفريد لوازي
في الكوليج دو
فرانس، قبل أن
يصبح به صاحب
كرسي تاريخ
الديانات. كان
يتابع دروسه
بحماس
ومثابرة
العديد من
الطلبة الذين
كان يوجد من
بينهم عدد من
تلامذة كلية
اللاهوت البروتستانتية
وقتها. فهو
الذي كشف لنا
عن لاهوت لوثر
الشاب الذي
كان حينها في
مقدمة
الأبحاث اللاهوتية
بألمانيا.
وبعده كشف لنا
عن كبار
الروحانيين
في
البروتستانتية،
كسبستيان
فرانك،
وكاسبار
شفينكفيلد،
وفالونتان فيغل،
ويوهان
لآرندت،
وغيرهم. كان
الأستاذ لا
يخفي أيا من
الصعوبات
التي يلاقيها
عرضه الأولي
الجديد، غير
أن سيلا من
الحياة
الروحانية
كان لا يلبث
أن يعصف بتلك
المشكلات
العارضة. كل
شيء كان جديدا
وجذابا. بدأت
حينها أحس
ببعض الأصداء
كما لو كان
نداء بعيدا
يدعوني
لاستكشاف ما
سميته في ما
بعد "ظواهر
الكتاب
المقدس". كان
ذلك طريق التأويليات
l’herméneutique الذي
ينفتح أمامي
في غبش الفجر.
ولو كنت قررت الرحيل
إلى المشرق
لتَوّي بعد
سماع تأويل جيلسون
لابن سينا،
لكان من
المستحيل علي
التعرف على
طريق
الروحانيين
كما تأوله جان
باروزي وقرار
الرحيل هناك
للتعرف عليهم
مباشرة. فجان
باروزي هو
الذي أرشدني
لطريق
ألمانيا
الفلاسفة و"الأشخاص"
العظام
للروحانية
الصوفية. فكانت
محطتي الأولى
هي مدينة
فريبورغ.
وهكذا كانت إيران
وألمانيا نقطتا
الاستدلال
الجغرافي
لمسعى روحي ظل
مستمرا في
الواقع في المناطق
الروحانية
التي لم تكن
محددة في
خرائطنا. وأنا
أذكّر بهما
هنا، تعضيدا
لما قلته في
بداية حواري مع
فيليب نيمو.
يتابع
الفيلسوف
مسعاه
بالاستجابة
بكامل الحرية
للإلهام
الروحي. وأصدقائي
الإيرانيون
يعرفون جيدا
أنني لا يمكن
أعزل صحبتي للسهروردي
وأهله عن صحبتي
لجاكوب بوهم
ومدرسته. وأنا
أعتقد أن وحدة
ما يرمزون له
هو ما جعل مني
ما أنا عليه
اليوم.
كانت
الحلقة
المجتمعة حول
الأخوين
باروزي غير
القابلين
للافتراق في
ذاتها دعوة
لتجريب المغامرة
الروحية.
فالأخوان
كانا، من خلال
ثقافتهما
الشاسعة وحسهما
بالقيم
الروحية
الأكثر رفعة
وبفن الحياة، شاهدين
على عصر آخر،
وممثلين
رفيعين لأوروبا
ومجتمعا
اندثرا مع
الحرب
العالمية
الأولى
والثانية،
ولم نستطع
إعادته
للحياة طالما
أن سيطرة الشياطين
والممسوسين
الذين تنبأ
بهم دوستويفسكي
كانت عميقة.
فقد كانا
ينظمان
اجتماعات متوالية
في منزلهما
بشارع فكتور
هوغو بباريس، عدا
حصص
المناظرات
التي كان جان
باروزي
يعقدها في
بيته والتي
كانت تستمر إلى وقت
متأخر من
الليل. وكنا
نلاقي من بين
الحاضرين
فيها كل أنواع
الشخصيات
الأوروبية
غير المتوقعة.
كان حضور
رفاقنا الألمان
فيها دائما
قويا. وكان
جان باروزي
يمنح
للمحادثات
المجرى الذي
ينبغي لها أن
تتبعه لو كانت
في "فيمار"
غوته. فهو
كان بامتياز
الأستاذ الذي
يهدم كل مسافة
رسمية بين
الأستاذ
والطالب.
والذين كان
لهم مثلي حظ
عيش هذا الضرب
من العلاقة
التي يبلِّغ
فيها الأستاذ
معارفه بشكل
أفضل من أي
درس، يصابون
بالدهشة
اليوم حين
يسمعون
الطلبة يشتكون
من الهوة
الكبرى بينهم
وبين أساتذتهم.
ومن ثم يقيسون
مدى التحول
المحزن للوقت.
ماربوغ
في لاهن !
هكذا عرف جان
باروزي كيف
يرشدني نحو
هذا المكان
الرفيع، الذي
سبقني إليه،
وربط فيه
علاقة الصداقة
مع رودولف
أوطو،
وفريدريك
هايلر. كيف
يمكنني أن
أعبر عن
الانبهار
الذي عاشه
الفيلسوف
الشاب النازل
بمدينة ماربورغ
في بداية
يوليوز عام 1930؟
سحر الأمكنة،
وتلك "التلَّة
الملهمة"
التي لا تعيش
إلا بالجامعة
ومن أجلها،
والغابات
الرائعة من
حولها... مكثت
فيها أكثر من
شهر. وكانت
بها زيارتي
الأولى
لرودولف
أوطو، الذي
كان حينها
أستاذا
مبرزا، والذي
مع ذلك كان
حضوره نشيطا باعتبار
أنه كان أحد
الوجوه
الكبرى لألمانيا
البروتستانتية
الليبرالية.
كانت كتبه عن
"المقدس" وعن
"التصوف
المشرقي والغربي"،
ومعرفته
العميقة
بالمدارس
الفلسفية والدينية
بالهند
هائلة،
ورائعة أيضا
كانت البساطة
التي كان هذا
العالم
العلامة
يتحادث فيها
مع طالب مبتدئ
بفرنسية
كلاسيكية
رائعة كما لو
كان زميلا له لأن
هذا الأخير
كان مستعربا.
ثمة مصادفتان
سأسجلهما هنا.
الأولى حدثت
خلال مقامي
بماربورغ
عندما جاء
إليها
رابندرانات
طاغور. لن أنسى
أبدا الجمال
الشاحب للوجه
الصالح
للرائدين
رابندرانات
طاغور
ورودولف أوطو
وهما جنبا إلى
جنبا على منصة
جامعة
ماربورغ.
والمصادفة الثانية
تتمثل في كون
أولغا
فروب-كابتين
جاءت إلى
ماربورغ في
تلك الفترة
بالضبط
للتحاور المطول
مع رودولف
أوطو بصدد
مشروع منحه
هذا الأخير
شكله وفحواه.
وبعد أن أخذ
هذا المشروع
شكله، كانت
ولادة حلقة
إيرانوس
بأسكونا التي
سوف أذكر فيما
بعد بالدور
الهام الذي
لعبته في حياتي
كباحث. ولأكثر
من مرة تحدثت
مع أولغا عن
تأثرنا
الكبير أنا
وهي كلما
ضغطنا على زر
جرس إقامة
رودولف أوطو.
كان
الطلبة الذين
تعرفت عليهم
آنذاك
بماربور يعيشون
حياة فلسفية
ولاهوتية
مكثفة. ولن
ألح كثيرا على
بعض المناحي؛
بل علي أن أتعرض
للصخب الذي
بدأ يثيره
لاهوت رودولف
بولتمان. لكن
كان ثمة أيضا فريديريك
هايلر
المذكور
آنفا،
الأستاذ بكلية
اللاهوت. وهو
شخصية مأساوية،
ومؤلف<